أين المشكلة في مفهوم «العلوية السياسية»؟


ياسين الحاج صالح

الحياة

يستخدم الدكتور صادق جلال العظم مفهوم «العلوية السياسية» كتشخيص لبنية النظام الأسدي أو لوجه أساسي منها، ويؤسس على المفهوم تصوراً للتغيير في سورية يتمثل في طي صفحة «العلوية السياسية» على نحو ما طويت صفحة «المارونية السياسية» في لبنان في اتفاق الطائف عام 1989. هذه المقالة مساهمة في نقد مفهوم «العلوية السياسية»، وإن كانت لا تشارك في نقد متواتر للمفهوم، موجه نحو حجب طائفية النظام أو إنكارها.

كان زياد ماجد في مقالة نشرت في «الحياة» (30 نيسان – أبريل 2014) أظهر أن قياس العلوية السياسية على المارونية السياسية مجادَل فيه على الأقل. المارونية السياسية، يقول زياد، «تأسّست خلال الانتداب الفرنسي»، و «أتاحت بروزَها تحوّلاتٌ اقتصادية واجتماعية بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مطوّرة العلاقة بين جبل لبنان وبيروت، بالترافق مع انتشار التعليم وتعاظم أثر الإرساليّات الدينية ومؤسساتها». وإن لم يكن الموارنة أكبر الجماعات الأهلية اللبنانية بين تأسيس لبنان الكبير وأواخر ستينات القرن العشرين فهم ليسوا أقلية بينها. وأضيف أن لبنان الكبير تأسس على موقع ممتاز للموارنة الذين كانوا في الأصل جماعة صاعدة هي الأكثر تماسكاً في لبنان والأكثر وعياً بتميزها (ومعهم الدروز، الأقل عدداً). كان الموارنة أكثر تشكلاً من لبنان الذي تأسس أصلاً حول مكانة خاصة للمسيحيين فيه، ومكانة قائدة للموارنة بين المسيحيين. فعدا وجود إكليروس منظم مرتبط بروما منذ قرون، ومعرفته بأوروبا والعالم الحديث معرفة مميزة عما حوله، هناك مؤسسات تعليمية دنيوية متطورة، وهناك مستوى اقتصادي وثقافي أعلى من المتوسط اللبناني. وبفعل ذلك، قد يمكن التكلم بلغة ياسين الحافظ على «قوم» ماروني، جماعة بشرية متميزة وواعية سياسياً، تتطلع إلى الاستقلال عن محيطها أو الانفصال عنه، أو قيادته على الأقل. وفي تاريخ تشكل القوم الماورني صعود اجتماعي وسكاني وتعليمي في القرن التاسع عشر، وفيه نظام القائمقاميتين الخاص بجبل لبنان، وقد عاش نحو نصف قرن.

كان بناء لبنان الكبير على يد الفرنسيين بدا لنخب القوم الماروني مكسباً توسعياً وحلاً ممكناً للمجاعة التي عانى منها جبل لبنان أثناء الحرب العالمية الأولى، لكن هذا الحل حمل في ثناياه تراجع وزن الموارنة في الكيان اللبناني بعد نصف قرن. والتشكل الأكثر تطوراً للمورانة قبل تأسيس لبنان يسوغ الكلام على مارونية سياسية. هناك ذاتية مارونية سابقة على الكيان اللبناني المعاصر، وطبعت هذا الكيان بطابعها بين نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية الحرب اللبنانية قبل أن تتدهور في غمار هذه الأخيرة.

الأمر مختلف بخصوص سورية وموقع العلويين فيها وفي النظام السياسي. يفترض مفهوم العلوية السياسية ذاتاً علوية سابقة للسياسة، جماعة موحدة أو نزاعة نحو التوحد السياسي، النظام الأسدي هو نظامها، أو متشكل على هذا النحو بفعل هذه الذاتية السياسية. رأيي أن العكس أصح، وأن تشكل العلويين كطائفة تالٍ للسلطة وليس سابقاً عليها. قبل الحكم الأسدي كان معظم العلويين في سورية فقراء، مستواهم التعليمي غير مميز عن غيرهم، وليس لديهم جهاز ديني منظم، والتفاعلات الداخلية بين العلويين بالذات محدودة، وتفاعلاتهم بالعالم حولهم إن لم تكن أدنى من غيرهم، فهي لا تميزهم عن غيرهم.

وقبل الحكم الأسدي كان هناك كيان سوري، حياته السياسية مضطربة، ولا تكف نخبه عن تخيله جزءاً من شيء أكبر منه بقليل أو كثير. لكنه كيان قائم عمره أزيد من نصف قرن وقتذاك، وأكثر تشكلاً من أي جماعة سورية جزئية.

سوغ حافظ الأسد استيلاءه على السلطة عام 1970 بأيديولوجية قومية عربية، كانت سابقة عليه، تكثر إحالاتها إلى الاشتراكية والتقدم ومناهضة الإمبريالية. وكان لهذه الإحالات وللسجل الواقعي الذي كانت تستند إليه في ستينات القرن العشرين والسنوات الأولى من سبعيناته دور حاسم في تكون أكثرية سورية عابرة الطوائف، وحتى الإثنيات. بارتباطها مع الاشتراكية والتحرر الوطني وعدم الانحياز وما إلى ذلك. لم تكن العروبة مجرد رابط إثني أو أيديولوجية هوية كحالها اليوم، بل أيديولوجية عمل تحررية يعتنقها ويواليها حتى بعض من هم غير عرب إثنياً.

وبفعل هيمنة القومية العربية والأكثرية الاجتماعية المتكونة حولها لم يواجه حكم حافظ الأسد باعتراضات تحيل إلى منبته الأهلي. بالعكس، جرى الترحيب به كمحرر.

أخذت هذه الأكثرية تتفكك بسرعة بدءاً من النصف الثاني من السبعينات بفعل مجموعة عوامل، أبرزها توقف التحولات الاجتماعية لمصلحة فقراء المدن والأرياف، وظهور طبقة من المليونيرات الجدد في كنف الحكم الجديد منذ سنواته الأولى، وضيق النظام السياسي الذي استقر منذ 1973 على شكله الحالي: حالة استثناء ناسخة لحكم القانون، وحظيرة للأحزاب الداجنة اسمها «الجبهة الوطنية التقدمية»، وحاكمية مخابراتية يحظى مديروها بحصانة كلية، ثم التدخل السوري في لبنان ضد منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. وترجم هذا التفكك نفسه في صراع اجتماعي وسياسي حاد تفجر على نحو عنيف في أواخر السبعينات، وهو لا يقبل التقليص إلى صراع طائفي، وإن يكن هذا وجهاً بارزاً له.

كان ظاهراً منذ وقت مبكر أن حافظ الذي استولى على السلطة بسهولة كبيرة يعرف أن الأهم من الوصول إلى السلطة هو الحفاظ عليها، وخلافاً لرفاقه في قيادة انقلاب شباط (فبراير) 1966 كان مدركا أن مواطن السلطة الفعلية هي الجيش والمخابرات (وليس حزب البعث و «الجماهير الشعبية» غير المنظمة)، وولى على أجهزة المخابرات التي توسع فيها موثوقيه من الأقارب ورعى أن تكون نسبة عالية من عناصرها من المنبت العلوي (نحو 12 في المئة من السكان)، وأسس أيضاً أو توسع في تشكيلات عسكرية ذات وظيفة أمنية مثل سرايا الدفاع والوحدات الخاصة والحرس الجمهوري، لها التكوين نفسه، وولى عليها أيضاً أهل ثقته. هذا ما سهل تماهي العلويين به وبنظامه، وطور في أوساطهم شعوراً بالتميز والذاتية. التشكل العلوي هنا مر بالسلطة العمومية والموقع الامتيازي في أجهزتها الأساسية، أجهزة القوة التي يعتمد عليها النظام في دوامه وإعادة إنتاجه.

وما أريد قوله هو أنه في البداية كانت السلطة، وما يقترن بها من سيطرة وامتيازات وأفضليات. لا يلزم أن حافظ الأسد كان طائفياً أصلاً وطوال الوقت، أو كان يضمر مشروعاً لحكم طائفي. من أجل الحفاظ على السلطة ميز الرجل لمصلحة موثوقيه الأهليين في أجهزة نظامه الارتكازية، أي مارس ممارسات طائفية، فطوّر نظاماً طائفياً. فمثلما أن من يدخن مدخن ومن يقتل قاتل، فإن الطائفي هو من يمارس ممارسات طائفية، ويميز تمييزاً طائفياً. الطائفية مسألة ممارسات وأفعال، وليست مسألة نيات وماهيات.

فهل يمكن التكلم اليوم، بعد 45 عاماً من توارث الحكم في السلالة الأسدية ومن حربين اجتماعيتين، كبيرة وأكبر، على علوية سياسية أو على قوم علوي؟ هل هناك إرادة سياسية علوية ومشروع سياسي علوي؟ هناك ولاء من أكثرية علوية كبيرة للنظام اليوم، ومنذ وقت مبكر من الثورة، وقبل الثورة طبعاً. لكن، لا يبدو لي أن هذا الولاء تعبير عن إرادة سياسية علوية جامعة، بل عن افتقار إلى هذه الإرادة المستقلة وعن ضعف التشكل العلوي. الإرادة والذاتية تمكن نسبتهما إلى أسرة وطغمة حكم و «دولة باطنة»، وليس للعلويين الذين يخشون أن يعيدهم سقوط النظام إلى الفقر وانعدام الشأن. العلويون في مأزق تاريخي، محصورين بين هذه الخشية وبين نظام أسرة وطغمة لا تحترمهم، تستخدمهم أداة حكم فحسب.

على أن نقد مفهوم العلوية السياسية يخطئ غرضه تماماً حين يستخدم للتكتم على طائفية النظام أو إسدال ستار من الصمت عليها، كما هو شائع. ينطلق النقد المسطر هنا من أن الطائفية ليست خاصية لطائفة أو جماعة أهلية أياً تكن، بل هي خاصية «نظام»، شكل بعينه من أشكال إنتاج السلطة وتوزيعها وممارستها. الكلام على نظام طائفي هو كلام على نظام، وليس على طائفة، ويكون النظام طائفياً إن كان قائماً على التمييز، أياً يكن منبت نخبة الحكم. نضع أنفسنا في موقع غير منيع من وجهة نظر السياسة العملية، وليس من وجهة نظر التحليل فقط، حين لا نستخلص من حقيقة أن الطائفية هي التمييز وفق المنابت الأهلية أن النظام الأسدي طائفي، وليس فقط حين ننطلق من مفهوم العلوية السياسة. ما نجازف به في الحالين هو أن نربط الطائفية بالجماعات الأهلية، بعضها أو كلها، وليس بالدولة والسياسة العمومية، فنخفق في تطوير سياسات عامة مضادة للتمييز الطائفي.

مفهوم العلوية السياسة يجعل النتيجة، تقدم تطييف العلويين، والجماعات الأهلية عموماً، سبب مشكلاتنا الوطنية اليوم، بينما سيكون السبب، النظام الطائفي، نتيجة. وهو ما يتوافق على المستوى السياسي العملي مع التخلص من النتيجة، الموقع الامتيازي لعلويين في السلطة الفعلية، من دون محاربة التمييز نفسه، وربما مع قيام تمييز مضاد.

20 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *