فتوى البوطي وفتوى الليرة  


حازم نهار

 

 

في سنوات الجامعة الأولى، كان لي صديق متدين وملتزم بالعبادات الإسلامية لكنه ليس متحزباً، وفجأة أصبح مواظباً على حضور “الدروس التوجيهية” التي يقدمها الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، على ما أذكر في جامع دينكز في شارع النصر في دمشق، وفي مساجد أخرى في ركن الدين والشيخ محي الدين، وغيرها.

كان صديقي هذا في البداية مسلماً طبيعياً منفتحاً كمعظم المسلمين السوريين، وتحول تدريجاً إلى إسلامي أيديولوجي بفضل تعاليم البوطي، وقد دعاني مرات عديدة إلى الانضمام إلى حلقاتهم ودروسهم لكنني رفضت آنذاك استناداً إلى الحديث النبوي “أعظم الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر”، إذ لم أكن مستعداً لاحترام أي رجل دين يدافع عن أي سلطان أو يتحول على يديه إلى أراجوز، لكنني كنت أحترم، وما زلت، رجل الفكر الإسلامي جودت سعيد الذي كان دائماً مغيباً أو محاصراً.

في تلك المرحلة، مرّ صديقي بحالة إنسانية طبيعية، تنازع خلالها، في نفسه وفكره، ما هو طبيعي مع ما هو أيديولوجي وفقاً للمدرسة البوطية في فهم الإسلام. تكونت لدى صديقي مشاعر حب تجاه زميلة لنا، هي الأخرى من قراء ومتابعي الشيخ البوطي. ولنا أن نتخيل ذلك النزاع لدى كل منهما بين هوى النفس الطبيعي والأيديولوجية البوطية، وما يتخلله من شفافية إنسانية وعذاب روحي، وصرامة قاتلة في الوقت ذاته تحت مسمى “الحلال والحرام” بحسب تعاليم البوطي.

بعد مرور سنة على تلك العلاقة (أو اللاعلاقة بالأحرى)، تقدم شاب آخر من كليتنا نفسها، لكنه في سنة دراسية أعلى، إلى خطبة زميلتنا، وهنا دخل أهل زميلتنا على الخط، وبدأ الجميع يفكر في الخيارات الممكنة، وما كان من صديقي وزميلتنا والشاب الآخر إلا التفكير باللجوء إلى الشيخ البوطي للبتّ في الأمر ومساعدتهم.

أفتى البوطي آنذاك بأن الشاب الآخر هو الشخص الملائم للزواج، استناداً إلى معيارين اثنين، الأول أن ذلك الشاب أقرب إلى إنهاء دراسته في الجامعة، والثاني أنه أكثر قدرة على إعالة زوجته، كونه من عائلة ميسورة. ما أدهشني آنذاك أن الجميع أقر بالفتوى وسلم بحكمة البوطي ونفذها كاملة.

تذكرت هذه الحادثة عندما سمعت وقرأت بعض ردات الفعل المؤيدة لقرار ما يسمى بـ “الهيئة الشرعية” باستخدام الليرة التركية بدلاً من الليرة السورية، وإضفاء نوع من القداسة على قرارات هذه الهيئة لدى البعض. وهنا قلت في نفسي يبدو أنه لا ضرورة للسوريين أن يدرسوا أي علم من العلوم، وما عليهم إلا أن يسلموا عقولهم وحياتهم لمجموعات أطلقت على نفسها اسم “الهيئات الشرعية”، يفهم رجالها في كل شيء، في السياسة والاقتصاد والفيزياء والكيمياء والرياضيات والطب، وفي التاريخ وعلم الاجتماع وعلاقات الحب والزواج، بل وفي أحوال السمك في أعماق البحار، وفي حركة الأجرام السماوية. في الحقيقة لا يوجد غرور شبيه بذلك سوى غرور السلطة الحاكمة (المعلم الأول، الرياضي الأول، الفنان الأول..إلخ).

كذلك، أن يتنطع بعض البشر، من غير الخبراء، لمهمة البت في وضع العملة واستبدالها، من دون أي إجماع وطني، فإن هذا معناه أنهم يتوافرون على سذاجة غير معقولة، وأن عقليتهم أقرب إلى التلاؤم مع منطق الإمارة والقبيلة لا الدولة، وأنهم لا يميزون حقاً بين سورية وسلطة الحكم، فضلاً عن جهلهم بتاريخ البلد وعملتها، واعتقاد بعضهم بأن الليرة جاءت مع السلطة القائمة أو من “إنجازاتها” على حد تعبير الموالين لها.

صحيح أن السوريين، في ظل الحالة الراهنة، يستخدمون عملات أخرى للحفاظ على أموالهم وممتلكاتهم، وهذا أمر مبرر ومفهوم، وقد حدث ذلك في جميع البلدان التي مرت عليها أحوال سيئة، لكن هذا شيء واستبدال العملة الوطنية استناداً إلى “فتوى شرعية” شيء آخر، فهذه سابقة خطرة ومثيرة للشفقة في آن معاً، حتى أنها لم تحدث في لبنان والعراق مثلاً.

بعض الناس يفكر بطريقة عدمية عندما يقول إن البلد كلها تعرضت للخراب، وسيادتها الوطنية تدمرت، وبالتالي لن يجر تبديل العملة خراباً جديداً في ظل الخراب القائم. وبعضهم يفكر بخبث وانتهازية عندما يربط نفسه ومنطقة معينة من سورية بالدولة التركية، وبعضهم يريد إيذاء السلطة الحاكمة حتى لو أدى ذلك إلى إيذاء وطنهم ودولتهم، دولة جميع السوريين، تماماً كما هي سياسات السلطة وأفعالها التي حرقت سورية والسوريين.

لا قدسية لأي فرد أو مجموعة، مهما كان انتماؤها وتوجهاتها، ومهما حاولت إضفاء الشرعية على تفكيرها وممارساتها باستخدام الدين أو غيره. والأولى برجال الدين ألا يتنطعوا لمهمات ليست لهم، وأن يعيدوا التفكير في أنفسهم وأدوارهم، خصوصاً بعد أن كانوا جزءاً أساسياً من الخراب الذي عاشته سورية على مدار نصف قرن، فكثير منهم كانوا حراساً لسلطة الحكم، ودعاة لها في منابر الجوامع والكنائس، وكثير منهم أيضاً أساء إلى ثورة السوريين عندما لم يدرك دوره الوطني المطلوب وتنطع إلى مسؤوليات ومهمات تحتاج إلى علم ومعرفة وخبرة.

إن تدخل الشيخ البوطي في علاقات الحب والزواج وتقديم الفتاوى فيها أمر مثير للسخرية والشفقة معاً، وهو يوازي تدخل أولئك في أمور الاقتصاد والعملات التي يتواضع إزاء تعقيداتها خبراء الاقتصاد أنفسهم. بقي ألا يكون السوريون مثيرين للسخرية والشفقة، وهذا بيدنا، وينبغي ألا يكون إلا بأيدينا.

2٬830 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *