غسان الجباعي: أنا مخرج مسرحي حولني السجن إلى كاتب


عمّار المأمون

العرب

المخرج المسرحي السوري يعبر إبداعيا عن تجربة الاعتقال المريرة التي وصلت إلى تعرية السجن كأداة من أدوات الاستبداد، وإبراز الروح السورية الوطنية المكافحة الصامدة.

يتلمس المخرج المسرحي السوري غسان الجباعي معالم المأساة ويرسم برهافة تقاسيمها، وهو الذي درس الإخراج المسرحي في روسيا بداية الثمانينات من القرن المنصرم، وعاد إلى سوريا ليستقبله السجن والاختفاء القسري لما يقارب عشر سنوات، إلا أن ذلك لم يمنعه من العمل الإبداعي، إذ صدر له عدد من النصوص المسرحية والمجموعات القصصية، ومؤخرا رواية “قهوة الجنرال” وكتاب بعنوان “الثقافة و الاستبداد”.

المسرح النازح

يرى الجباعي أن اللافت في الحراك المسرحي السوري النازح إلى لبنان والأردن وتركيا، وبعض الدول الأوروبية، هو عنصرا العرض المسرحي الأساسيين: المرسل والمتلقي، وهما من السوريين النازحين قسرا أو طوعا: فالعنصر الأول هو الفنان الذي غادر بلاده المدمرة، وراح يبحث عن وسيلة ما للتعبير عنها وعنه، فوجد في المسرح طريقا لذلك، وبدأ يكتب ويجرب ويشكل التجمعات ويقيم الورشات المسرحية، متحديا الظروف الصعبة الطارئة، محاولا أن يخلق شيئا من لا شيء. وهذا ما يراه بذرة تشبه إلى حد ما بذرة التأسيس لمسرح جديد واعد، وإن كان الأمر يحتاج إلى وقت طويل جدا حتى تنتشي البذرة وتتبلور. أما العنصر الثاني فهو جمهور الناس البسطاء العاديين الذين ربما لم يكن المسرح يعني لهم شيئا قبل الثورة، وجمهور النازحين يُعدّ ظاهرة بحد ذاتها، لأن الفرق كبير جدا بين جمهور المسرح في زمن الاستبداد “القطيع″، والجمهور المتمرد على الاستبداد، المتعطش للجديد، الرافض للقوالب القديمة. الجمهور العاطفي التوّاق للتجمع والتوحد والألفة والحنين والفعل.

ويضيف الجباعي: بما أن المواضيع التي يعالجها المسرحي النازح مستجدة، في ظروف مستجدة، فمن الطبيعي أن يكون خطابه مختلفا بدوره وجديدا. وبالتالي يصبح الشكل أيضا حديثا ومبتكرا. فالحداثة تبدأ عمليا، عندما تتغير عناصر الإبداع الأساسية: “الأداة والمادة والموضوع”. وقد تكون تجربة بريخت الذي هرب من بطش النازية إلى أميركا مثالا. فقد عجّل ذلك بإنجاز نظريته في المسرح: “التغريب”، رغم أن بريخت ذهب إلى هناك بلا جمهور تقريبا. ومن هنا تأتي خصوصية التجربة السورية الفذة.

جرب الجباعي السجون السورية في الثمانينات وكتب عنها بوصفها قاسية في كل الظروف، وفي كل زمان ومكان. أما الآن وفي ظل ما يشهده الشباب السوري فهي أعمّ وأشمل وأشرس. وقد طالت مئات الآلاف من المعتقلين والمغيبين والمختطفين والمقتولين تحت التعذيب ويعقب ضيفنا: في الثمانينات كان التعذيب والموت يطال فئة محددة، أما اليوم فهو يطال كل مكونات الشعب السوري، دون استثناء. وكان الأمر يتم بسرية مطلقة وداخل الأقبية المظلمة والسجون المغلقة، أما اليوم فهو يتم بشكل علني، ويشمل ساحة البلاد كلها. ولم يكن أحد ليجرؤ على مواساة السجين أو أهله، أما اليوم فيتم الاحتفاء به وطنيا واجتماعيا دون خوف. وقد ساعد الانفتاح الإعلامي وشبكات التواصل الاجتماعي في توثيق وفضح جرائم هذا النظام.

الثقافة هي الحل

يرى الجباعي أن التعبير إبداعيا عن تجربة الاعتقال المريرة تجاوز فكرة “أدب السجون” الساذجة، التي لم يهتم بها أحد، بل وصلت إلى تعرية السجن كأداة من أدوات الاستبداد، وإبراز الروح السورية الوطنية المكافحة الصامدة رغم كل أشكال القمع. و يستطرد الجباعي قائلا: هذه التجربة القاسية سيعاد إنتاجها إبداعيا، وتترك أثرا كبيرا في الوجدان المحلي والعالمي، وتشكل علامة فارقة، تطبع الإبداع السوري الحديث بطابعها التراجيدي. تشبه إلى حدّ كبير الهزات الكبرى التي أثرت على البشرية، كالحروب العالمية والأهلية: الفرنسية والأميركية والبلشفية والإسبانية وغيرها، التي فتحت آفاقا إبداعية وإنسانية وفكرية لا حدود لها. فالألم الكبير لا بدّ أن ينتج إبداعا عظيما.

تعيش سوريا في ظل مؤسسات تدار بعقلية أمنيّة، حتى الثقافية منها، ويرى محدثنا أن الحل لا يكمن في تفكيك هذه المؤسسات، “فهم” فككوا المدينة والحارة والعمارة والمؤسسات، بالقذائف والبراميل المتفجرة، كما فككوا بنية المجتمع ووحدة أرضه ونسيجه. يجب ألاّ نفكك أي شيء. يكفي أن نحوّل السجن، الذي كانت وظيفته الرعب والإذلال والعبودية، إلى متحف أو مدرسة أو مستشفى، أو بناية سكنية يولد فيها الأطفال. وهذه ليست بالمهمة السهلة.المسرح النازح بذرة جديدة لمسرح جديد

التغيرات التاريخية التي تشهدها المنطقة تشمل كافة النواحي، والتساؤل يكمن في قدرتها على إنتاج شكل مسرحي (نصا أو عرضا) مختلف عن النموذج الغربي الطاغي المتمثل بأرسطو أو بريخت، يستطرد الجباعي قائلا أن المسرح الأرسطي “المعايشة” وكذلك التعليمي “التغريب” بدأ تأثيرهما بالتلاشي منذ العقد الأخير من القرن الماضي. ولا يمكن تحديد إلى أين يتجه المسرح العربي والسوري خاصة. ويضيف: الثورة السوريّة تشكل منعطفا تاريخيا عميقا. وأنا متأكد من قيام أشكال مسرحية جديدة تتناسب مع ثورة هذا الشعب العريق، وتليق به وترتقي إلى مستوى آلامه وتضحياته. والتجارب المسرحية الحديثة التي نشهدها في بيروت وعمان وإسطنبول والقاهرة وغيرها من دول اللجوء، لأكبر دليل على ذلك.

في نصوص الجباعي المسرحيّة نرى أنه يتجاوز الوظيفة التقليدية للتعليمات الإخراجية لتكتسب هذه التعليمات صيغة شعرية و يشرح الجباعي سبب ذلك بقوله: أنا مخرج مسرحي. لكن السجن لسنوات طويلة، حولني إلى كاتب، وظروف السجن القاهرة في فرع التحقيق العسكري وسجن تدمر وصيدنايا، لم تكن تسمح بممارسة المسرح، لكنها سمحت بالكتابة والرسم والنحت. وما وجدتَه من شعرية في نصوصي المسرحية، ما هو إلا تعبير عن النزعة الإخراجية. لم أكن أستطيع تجسيد المسرحية على الخشبة، لم يكن ثمة مكان لأجسادنا، فجاء تجسيد مسرحياتي على الورق.

حسب رأي الجباعي أدوات المبدع ليست بندقية أو سيفا أو قذيفة، بل هي قلم وكاميرا وريشة ألوان وكمان. المبدع لا يتقن القتل مثل المرتزقة والجنود البواسل والمجاهدين المتوحشين. لا يتقن التطويق والتدمير والذبح. المبدع لا يتقن إلا الحوار. مهمته تعتمد على العقل والمعرفة والإقناع، وليس على الغريزة والجهل والقهر. فهو ينشد السلام وليس الحرب. يحدوه الحلم المتحرك نحو الأمام، وليست العقيدة الجامدة المستبدة. رايته المستقبل وليس الماضي. ويضيف مقتبسا من كتابه الجديد “الثقافة والاستبداد”: إن الطابع السلمي والإنساني للثقافة، يخولها في المرحلة الانتقالية أن تلعب دورا كبيرا، في المصالحة الوطنية، والحفاظ على السلم الأهلي، ووحدة المجتمع السوري، وإقامة دولة العدل والمساواة.. ويخولها أن تلعب دورا أساسيا، في تحقيق أهداف الثورة، بإقامة نظام وطني ديمقراطي حديث، لكل السوريين.

 

 

 

19 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *