قفصنا الحقيقي


رشا عمران

349

 

تخيّل نفسك محشوراً في قفص مع عدد كبير من البشر، كما تحشر وجبة دجاج معدة للذبح،  ثمة من وضعك فيه انتقاماً لانتمائك الذي يجعلك صالحاً للاستخدام في حرب مجنونة وسافلة، إذ يعتقد من وضعك في القفص أنه، بهذه الطريقة، سيمنع عدوه من رمي براميله الحاملة للموت، فأنت، حسب زعم الفاعل، حتما تؤيد رامي البراميل، لا شك في ذلك (!). لا يمكن لك أن تتخيّل هذا، عليك أن تعيش التجربة.

تخيّل نفسك تُساق مع مجموعة تشبهك، وثمة سلسلة حديدية طويلة وقوية تربطكم معاً، وهناك من يمسك السلسلة في المقدمة بيد، وبيده الأخرى رشاشاً ملقماً، ويسوقكم جميعاً، كما يُساق الغنم المعد للذبح، ويأخذكم إلى حيٍّ يعتقد أهلوه أنكم أعداؤهم، وأن هتاف الحرية الذي هتفتم به يوماً لم يكن غير ستار لنياتكم الحقيقية: قتل أهل هذا الحي بسبب اختلاف انتمائهم الطائفي، فما أن تصلون حتى يجتمعون عليكم، ويلقون بكم أرضاً وأنتم مقيدون، ويلقون عليكم كل القذارات التي يفرزها الجسد البشري، وكل قذارات الكلام (!). لا يمكن لك أن تتخيّل هذا، عليك أن تعيش التجربة.

تخيّل نفسك معتقلا، في سجن أشبه ما يكون بقبر عميق. القذارة تحيط بك من كل جانب، وجلادك يربطك بسلسلةٍ، ويمسكها بيده، ويطلب منك أن تركع وتعوي ككلبٍ في برية أمام حذائه ذي الرائحة النتنة، لكي يسمح لك أن تتناول بعض الماء. وحولك في القبر نفسه عشرات مثلك، ينتظرهم المصير نفسه. لا يمكن لك أن تتخيل هذا، عليك أن تعيش التجربة.

تخيّل نفسك تعيش في قريتك الصغيرة، أنت وعائلتك، الحرب التي تجري لا علاقة لك بها، لا من قريب ولا من بعيد. أنت لا تريد تغيير النظام، ولا تعرف ماذا تعني كلمة الحرية، ولست معنيا بكل هذه المصطلحات الكبيرة، حتى الوطن لا تعرف عنه شيئاً سوى أنه قريتك الصغيرة النائية، وعائلتك ولقمة الخبز التي تؤمنها لهم، ودعاؤك لإله، تؤمن أنه سيستجيب لك، كي يعدل الحال، ثم فجأة يمتلئ وطنك الصغير المحيط ببيتك بأسلحة ومسلحين. وبعد قليل، تسمع صوت طيران وصوت قذائف، ثم لا تعرف أن الله استجاب لدعائك، وعدّل الحال معك، فوقع بيتك على من فيه، ومات أطفالك أمام عينيك، وتقطعت أجساد بناتك. ومن فرط الألم تفقد الاحساس بكل شيء، وترفع يديك من جديد بالدعاء أن يعدّل الله الحال، ويلحقك بمن فقدت. لا يمكن لك أن تتخيّل هذا، عليك أن تعيش التجربة.

تخيّل نفسك وسط مدينتك، رفضت أن تغادرها، على الرغم من كل المغريات، فمدينتك وطنك، وبلا وطن أنت مجرد نكرة، فتبقى فيها محتملاً كل شي، لتمتلئ مدينتك فجأة برجال مسلحين، لحاهم غريبة ولهجاتهم غريبة ولباسهم غريب، يحتلون بيتك وحارتك وحديقة أطفالك، ويحشرونك في فتاويهم المجنونة، ويفرضون عليك ما يريدون، وإذا اعترضت ستساق للذبح في الساحة العامة مثل ذبيحة الأضحى. وأنت تُذبح تحلق طائرات الوطن فوقك، وترمي براميلها على من تبقى من عائلتك، بينما ذابحوك مستمرون بتكبيراتهم، غير عابئين بصوت الطائرات الذي يبتعد عامداً عنهم. لايمكن لك أن تتخيّل هذا، عليك أن تعيش التجربة.

تخيّل نفسك في منطقة ما، لا تطلق عليها أي لقب، لا معارضة ولا موالية، وأنت تعيش فيها رافضاً ترك بيتك لأحد. حولك جيرانك الذين يشبهونك، لا تعرفون فجأة من أحاط بمنطقتكم، وحبسكم وسطها، ومنع عنكم الماء والدواء والغذاء والنار، وكل ما يمكنه أن يبقيكم قليلاً على قيد الحياة. أطفالكم تموت أمام أعينكم من الجوع والمرض، وحين يسمح لكم صاحب الزمان المحاصر لمنطقتكم ببعض التنفس، يجمعكم في مكانٍ ضيق، كما يجمعون الأحصنة المريضة، ويقدم لكم ما لا يكفي عشاء من تبقى من أولادكم، فتأكلون القطط الميتة، أو عشب البرية السام، أو تموتون من الجوع! لا يمكن لك أن تتخيّل هذا، عليك أن تعيش التجربة.

تخيّل نفسك، ولو قليلاً، واحداً من هؤلاء، ثم تذكّر أن ثمة سوريين يباركون أفعالاً كهذه، ويطالبون بالمزيد ثم المزيد ثم المزيد، لترى القفص الحقيقي الذي انحشرنا فيه جميعا.

 

المصدر: العربي الجديد

9 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *