شعب الاختبارات القاسية


رشا عمران

349 (1)

 

حتى الخيال كان عاجزاً عن تصوّر ما يحدث في سورية الآن. هذا الموت المعمّم والمنتشر والمتنقل، والذي يلاحق السوريين أينما كانوا، هذا الخذلان والنكران ممّن كانوا، إلى الأمس القريب، جيراناً وإخوة، وكانت سورية لهم وطناً مفتوح الأبواب والقلب. هذا الصمت العربي والعالمي عن المأساة السورية غير المسبوقة، هذا التواطؤ الجمعي الكوني على إبادة السوريين بكل مسببات الإبادة. هذا القرار الذي يجهل الجميع مصدره، بتدمير سورية بكاملها وتفتيتها وتشريد شعبها والإساءة إلى تاريخها، ونسف هذا التاريخ بالكامل.

هذا التصميم العالمي على تحويل سورية مكباً للجهاديين ومرتزقة الطوائف والأديان في العالم. والتصميم على تحويلها إلى مسرحٍ لاستعراض القوى العسكرية، وترتيب مصالح الدول الاقتصادية والسياسية والعسكرية. والتصميم على استخدامها، واستخدام شعبها وقوداً لكل الحروب المذهبية والقومية، والحروب المقامة لاسترجاع أحلام إمبراطوريات زائلة، والحملات الانتخابية في الدول المعنية بما يجري فيها. والتصميم على اعتبار الكيان السوري فاشلاً وزائلاً، والتعامل معه دويلاتٍ صغيرة طائفية ومذهبية وعشائرية ومناطقية. التصميم على سحق الهوية السورية بالتهجير والتشريد واللجوء والترانسفير والتغيير الديموغرافي. التصميم على نسف كل ما يذكّر بأن شعب هذا البلد المسمى سورية انتفض يوماً في وجه أعتى أنظمة الاستبداد في العالم، وأكثرها إجراماً. التصميم على جعل مصير هذا الشعب بمثابة الدرس القاسي للشعوب المشابهة التي قد يخطر لها يوماً أن تغضب وتتحرّك وتتنفض وتثور. التصميم على التذكير بأن مصير شعوب دول العالم الثالث لا تقرّره الشعوب نفسها، بل حكامها، أو بالأصح مافيات العالم الحاكمة التي تستخدم حكام العالم الثالث مثل أحجار الشطرنج، تحرّكها كما تشاء، ومتى تشاء تقول لها: كش ملك، غير عابئة بالأرواح التي تسقط في وقت اللعبة، ولا بالدم الذي يغطي رقعة الشطرنج وحجارتها، والطاولة تحتها، والأرض تحت الطاولة، فدم هذه الشعوب رخيص، لا قيمة له، ولا يسعّر في بورصات السياسات الكبرى. يحدث هذا الآن لسورية وللسوريين، وسيحدث لكل شعبٍ، يعيش في ظل الاستبداد، وتسوّل له نفسه أن يعترض أو ينتفض.

ولكن، هل تفنى الدول والشعوب بقرارات سياسية، أو عسكرية؟ هل يمكن لبلدٍ مثل سورية، بعمقه التاريخي والحضاري، أن يصبح مجرد طللٍ، أو ذاكرة قديمة، أو خريطة صغيرة تدل على بلد كان ذات يوم في خارطة العالم الكبيرة؟ يقيناً، الجواب يمكن أن يكون نعم، على قسوة هذا الجواب، فقد حدث هذا في التاريخ البشري، ويمكن أن يحدث مرات أخرى. ولكن، هل يقبل السوريون بهذا المصير لهم ولبلدهم؟ قد يبدو سؤال كهذا بمثابة الترف للمعرّضين للموت بأكثر أسباب الموت نذالة وإجراماً، هل يمكن لمن يرى الموت بأم عينه أن يفكر بمستقبل بلده؟ وهل يمكن لمن يرى أجساد أطفاله أشلاءً أن يفكّر بمستقبل بلده؟ هل يمكن لمن تركه الجوع هيكلاً عظمياً أن يفكّر بمستقبل بلده؟

ليس الأمر منوطاً بهؤلاء، بل بمن استطاع النجاة بحياته وحياة أولاده من الموت المحقق. الأمر منوط بالسوريين الذين انتشروا في بقاع العالم. على هؤلاء واجب حماية القضية السورية من النسيان، عليهم أن يبقوا سورية حاضرة في يوميات أبنائهم وتفاصيلها، كي تترسّخ في الذاكرة، ولا تغيب كما يريدون لها من يريدون تغييبها، ليس من باب التشاؤم القول إن سورية ستبقى في حالها هذا زمناً طويلاً، بل من باب الواقع المعاش والمعطيات السياسية اليومية. لكن، ما دام هناك سوريون ستبقى سورية. الأوطان ليست فقط الأرض والحجارة والتاريخ، الأوطان هي ناسها، وتفاصيل هؤلاء الناس وعاداتهم ويومياتهم. الأوطان هي الذاكرة العصية على الخراب والمعاندة للزمن والمضادة لكل أسباب النسيان، تستمر الأوطان طالما أهلوها أحياء، طالما هم قادرون على اجتراع سبل العيش أينما كانوا. والسوريون، على اختلافهم، قادرون على العيش، أثبتوا هذا دائماً، سيعود الشتات السوري إلى سورية يوماً ما، سيدركون أن ممر نورهم طريق العودة، وأن ما يحدث، الآن، من اختبارات الحياة القاسية، لكي يدرك السوريون أنهم سوريون حقاً.

 

المصدر: العربي الجديد

11 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *