دير الزور/ دير النسيان


رشا عمران

349

 

قد يُكتب عنها أن المؤرخين احتاروا في أسمائها، إذ مرت عليها أسماء كثيرة. سميت دير الرمان، لكثرة ما كان يزرع فيها من شجر الرمان ذات يوم قديم. وسميت دير الرحبة، لوجود قلعة الرحبة بجانبها، ودير الشعراء لكثرة الشعراء بين أهليها، ودير العصافير لفرط البلابل والعصافير التي كانت تستأنس ببساتينها، ودير الرهبان لكثرة أماكن التعبد فيها، أما اسمها الحالي، دير الزور، فأطلق عليها عام 1864، في نهاية الحكم العثماني لبلاد الشام، والزّور تعني  الصدر الواسع.

كانت المدينة تمتد على جانبي صدر نهر الفرات، في المناطق التي يرويها النهر، والتي تشكلت بفعل الفيضانات، وتكونت تربتها السمراء الخصبة الخيرة الصالحة للزراعة وللحياة، والتي جعلتها، منذ القديم، مركزاً حضرياً صغيراً للممالك الكبيرة التي حولها، كمملكتي ماري ويمحاض. ويقول أهل الدير إن معنى الزور هو الغابة. ويقول بعضهم إن الكلمة مشتقة من كلمة ازورار التي تعني الميلان والإعوجاج، دلالة على شكل نهر الفرات المائل عند المدينة. وقد يحكى الكثير عن تاريخها، فهي، حسب المؤرخين، مأهولة بالسكان، منذ الألف التاسع قبل الميلاد، ومرّت عليها كل الحضارات التي مرت على منطقة العراق وبلاد الشام. ومثل المنطقة كلها، عانت من احتلالات المستعمرين، على مر العصور.

وقد يحكى الكثير أيضاً عن تنوع سكانها، فهم من أصل آراميٍّ ربما، وهم عشائر عربية توافدت إليها من المناطق القريبة، وهم أرمن من الهاربين من المذابح العثمانية بحق الأرمن، في زمن الخلافة العثمانية، وهم كرد وجدوا فيها مكانا آمناً رحباً كاسمها. وقد يقال الكثير أيضاً عن خيراتها، فعدا عن أراضيها الخصبة المحيطة بالفرات، والتي قدمت لسورية قطنها وقمحها، هناك ثرواتها الباطنية، كالنفط والغاز وغيره مما كان كافياً ليجعل من سورية واحدة من أغنى دول العالم.

وقد يقال الكثير عن المناطق الأثرية فيها، إذ تعاقبت عليها الحضارات، وظلت آثارها عصيةً على عوامل الزمن الطبيعية والبشرية. وقد يقول من زارها يوماً إن أهلها لا يردّون ضيفاً، ولا يتذمرون من الغريب، وإن الكرم والخير يسيل في أحيائها، كما يسيل ماء الفرات فيها. وقد يقول من له، مثلي، أصدقاء منها، إن من يعرفهم منها من أنبل البشر، وأكثرهم وفاء وانفتاحاً وأريحية. قد يقال ذلك كله اليوم عن دير الزور، على أن ما لا يقال حالياً إن هذه المدينة الجميلة، يتم الفتك بها شيئاً وراء شيء، وتعاني الدمار والحصار من الجميع، ويغيب الإعلام المحلي والعالمي عن مأساتها تماماً، فلا تكاد تذكر إلا على صفحات التواصل الاجتماعي ببعض المنشورات والحملات البسيطة التي لا تكتمل. ما يثير الأسئلة والاستغراب حقاً، فمدينة دير الزور كانت من أوائل المدن الثائرة ضد النظام بعد شهر مارس/آذار 2011، وما تزال مظاهراتها الحاشدة الراقية في ذاكرة من يصرّون على أن ثمة ثورة رائعة حدثت في سورية. قدمت الدير شهداء سلميين كثيرين في زمن سلمية الثورة.

كان الديريون يودعون شهداءهم بمظاهراتٍ حاشدة، وبهتافاتٍ وأغانٍ رددها غالبية السوريين في ذلك الوقت الجميل، وكغيرها من المدن الثائرة، عوقبت على جرأتها وتمردها وتعاطفها مع المدن التي نكبت بالموت قبلها، فقتل كثيرون من أبنائها، وقصفت بالطائرات والصواريخ. استشهد تحت التعذيب في المعتقلات خيرة شبابها، وغيّب آخرون لم يعرف عنهم شيء، وتم تمهيد الطريق ليدخلها مرتزقة التطرف من كل بقاع الأرض. سلم قسم كبير منها تسليما كاملاً لداعش التي تحكمت بنفطها، وتقاسمته مع النظام ومع حكومات الدول المجاورة. أعدمت داعش أيضاً الخيرة ممن بقي من شبابها، وهرب آخرون من موتٍ محتومٍ إلى منافٍ، كان الموت يستوطن الطريق إليها. حوصرت مناطق الدير، وجوع أهلها الخيرون، فتكت بهم داعش على الأرض، والنظام من السماء. وكالعادة، وسم أهلها بوسم الإرهاب، فمن لم تقتله داعش أو النظام أو الجوع، قتلته طائرات التحالف، وقتلته طائرات الاحتلال الروسي الجديد. ينسى الجميع اليوم دير الزور، وكأنَّ أحداً لا يريدها، غير أنها مثل فراتها، ستبقى متدفقة وخيرة وعصيةً على النسيان الذي يغرقها الجميع فيه.

 

المصدر: العربي الجديد

 

 

5 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *