وقف إطلاق النار في سوريا عبارة عن خدعة


Michael Weiss

وقف إطلاق النار في سوريا عبارة عن خدعة….. محاولات جون كيري اليائسة للوصول إلى اتفاق (أي اتفاق) لن تزيد وضع السوريين إلا سوءاً. 

في الليلة الماضية في ميونخ، جاء وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بخطة لحظر العنف في الحرب الأهلية السورية المستمرة منذ خمس سنوات. في الحقيقة الخطة ليست جديدة أبداً، فقد تمت مناقشتها في فيينا في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي بين مؤسسيها كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف، الذي أحرجت حكومته حكومة الأول مراراً في السنوات القليلة الماضية. كما أنه ليس هناك في سوريا أي حرب أهلية ليتم وقفها، بل هي مجموعة متكاثرة من النزاعات الجانبية التي تخوضها مئات الفصائل المسلحة على اختلافها ومن ضمنها قوات مرسلة من دولتين أجنبيتين. وتقع الجغرافية السورية المُبلقنة تحت سيطرة  تلك الفصائل.

يمكن تقسيم تلك الفصائل بشكل عام إلى ثلاث مجموعات تشترك بعضها بعدد من الخصائص:

– أولها من يقاتلون لأنفسهم ولمشاريعهم في بناء دولهم، ومنهم داعش ووحدات الحماية الشعبية الكردية.

– وثانيها من يقاتلون في صف نظام بشار الأسد ومنهم الحرس الثوري الإيراني وأتباعه الذين يزدادون باطراد مثل حزب الله اللبناني ولواء الفاطميين المؤلف من لاجئين أفغان أصغرهم بعمر 12 سنة، تم تجنيدهم في إيران للقتال في سوريا، بالإضافة إلى قوى الدفاع الوطني (ميليشيا مكونة من مقاتلين شيعة وعلويين) وثلاث ميليشيات شيعية عراقية، وقوات بدر وعصائب أهل الحق التي ردت معروف الأمريكان (بالغطاء الجوي الذي تلقته في آمرلي وتكريت) بأن هاجمت الثوار المدعومين من جهاز الاستخبارات الأمريكي في حلب. (كما قيل أن عصائب أهل الحق هي المسؤولة عن اختطاف ثلاثة متعاقدين أمريكيين في بغداد)

– وأخيراً هناك من يقاتلون للإطاحة بالنظام ومنهم الثوار المدعومين من المخابرات الأمريكية، مع مجموعة من الكتائب السلفية أو الإسلامية.

إلا أن وقف إطلاق النار المقترح لن يشمل داعش الذي يملك ما بين عشرين وثلاثين ألف مقاتل، ولا جبهة النصرة، فرع القاعدة وأحد أقوى الجهات التي تندرج في تصنيف المجموعة الثالثة وتملك عشرة آلاف مقاتل. لا خلاف على كون داعش والنصرة منظمتين إرهابيتين لذلك لا بد أن تستمر الحرب عليهم بلا توقف. لكن هذا يعني أيضاً أن أربعين ألف جهادي مدجج بالسلاح يمكنهم إطلاق النار والقيام بالعمليات الانتحارية وسط وقف شامل للاعتداءات عبر الدولة، دون أن يواجهوا أي مقاومة من أعدائهم الكثر المضطرين لإلقاء أسلحتهم وتلقي الضربات. في ظل هذه المعطيات، كيف يمكن لوقف إطلاق النار أن ينجح؟

يحمل هذا الحل البسيط للسلام في طياته تعقيدات صانعي السلام. فقد أصرت روسيا منذ أواخر أيلول (سبتمبر) عندما بدأت حملتها الجوية في سوريا على أنها تقصف داعش، واتضح ببساطة أنها ليست كذلك، فقد أخبر الكولونيل ستيف وارين المتحدث باسم البنتاغون في الأسبوع الماضي مجموعة من الصحفيين أن عشرة بالمائة من الغارات الروسية على الأكثر كانت موجهة ضد مواقع أبو بكر البغدادي وأسلحته وبناه التحتية للنفط، وحينها فقط تقاتل قوات الأسد ضد قوات الخلافة على أرض المعركة. إلا أن وزارة الدفاع الروسية تكذب يومياً بخصوص ذلك بحسب تحقيقات أجرتها بعض الجهات مثل موقع Bellingcat مستدلة بالفيديوهات التي نشرتها وزارة الدفاع نفسها للغارات الجوية. وتبين أن أكثر المتضررين من تدخل فلاديمير بوتين هي معامل الحبوب والمشافي ومحطات معالجة المياه وسيارات الإسعاف والمساجد والثوار المناهضين للأسد (ولداعش) وألف مدني، والعدد يزداد.

كما أن فريق القبعات البيضاء الذي ينقذ الرجال والنساء والأطفال من تحت الأنقاض، أحصى في الأسبوع الماضي تسعمائة غارة جوية على مدينة حلب خلال 24 ساعة فقط. يذكر أنه لا وجود لداعش في مدينة حلب، لكن ذلك لم يمنع الطائرات الروسية والسورية من استهدافها على مدار الساعة تمهيداً لهجوم بري بقيادة الفصائل التي صنعتها إيران والتي ذكرتها آنفاً، لانتزاع آخر معاقل المعارضة السورية. هرب على إثر تلك الغارات ثلاثون ألف شخص إلى الحدود التركية سعياً للنجاة من المذبحة، والمزيد سيلحقون بهم بلا شك. فيما ستصر روسيا على أنها ملتزمة بوقف إطلاق النار باستهدافها لداعش، أو ستلقي باللوم على التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في قصف حلب كما حاولت أن تفعل البارحة.

علاوة على تاكيد الأسد نفسه لذلك بتوعده استعادة السيطرة على “كل” دولته المبلقنة مهما خُطَّ على الأوراق في سويسرا. “إنْ تفاوضنا لا يعني أن نوقف محاربة الإرهاب” بحسب ما قاله لوكالة AFP اليوم، مستخدماً تعريفاً فضفاضاً لكلمة الإرهاب كما يفعل أسياده الروس والإيرانيين.

هذا السيناريو الجنوني الذي ذكرت هو ما يمكن أن نتوقع حدوثه في حال فشلت مبادرة كيري العظيمة، وسيكون السيناريو أسوأ بعد إن حصل ونجحت المبادرة بفعل معجزة ما. فقد وجد معهد سوريا (منظمة بحثية غير ربحية حديثة تقع في واشنطن العاصمة، تعمل على دراسة النزاع بأدق تفاصيله) بالتعاون مع مجموعة السلام الهولندية PAX أن هناك أكثر من مليون سوري حالياً تحت الحصار، والغالبية العظمى من هذا الحصار تطبقه قوات موالية للنظام، فمن بين 52 منطقة محاصرة بحسب تصنيف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق العلاقات الإنسانية، اثنتان فقط تحاصرها المعارضة المسلحة، وهما الفوعة وكفريا، وكلاهما في محافظة إدلب. والاستثناء الآخر هو مدينة دير الزور التي يسيطر عليها خليط من داعش والجيش السوري. وقد جاء في التقرير ربع السنوي الأخير لمعهد سوريا ومنظمة PAX حول هذا الموضوع أن “اتفاقيات وقف إطلاق النار في المناطق المحاصرة فشلت مراراً في فك الحصار عنها. وحتى عندما توقفت أعمال العنف كانت المساعدات الإنسانية الواصلة محدودة وكذلك حرية الحركة، ولم تتحسن ظروف المعيشة بل في بعض الأحيان ازدادت سوءاً بعد تطبيق وقف إطلاق النار. ويبدو أن دور الأمم المتحدة في تلك الاتفاقيات، وخاصة في المساعدة في النقل القسري للسكان، يسبغ المصداقية على استراتيجية الحكومة السورية في حصار المدنيين بهدف قهر إرادتهم أو إخلاء مناطقهم”.

وقد أقرت الأمم المتحدة بالنقطة الأخيرة، إذ قام مكتبها في دمشق بحذف كلمتي حصار ومحاصرة من خطة ترمي إلى إغاثة حوالي مليون شخص يواجهون المجاعة، وذلك نزولاً عند رغبة الأسد. وبمعنى آخر، الديكتاتور الوحشي الذي اتهمه فرع آخر من الأمم المتحدة بشن حملة إبادة ضد عشرات الآلاف من السجناء السياسيين، يحظى بإملاء شروط إنقاذ ضحاياه. وقالت المديرة التنفيذية لمعهد سوريا فاليري سيبالا “في حين أن الوحشية ليست حكراً على طرف واحد في سوريا، يجب أن ننتبه لئلا نساوي ما بين أعمال الحكومة السورية وأعمال أي طرف آخر. فالاعتقال والتعذيب والقتل الممنهج الذي تمارسه الحكومة السورية لا يوازيه شيء آخر بكل المعايير المعروفة.” والآن بات بإمكان الحكومة السورية القيام بكل ذلك مصحوباً بتغاضي واشنطن.

علينا بالفعل أن نحق جون كيري حقه، فحماسته للدبلوماسية باتت غير محدودة، تماماً كخياله الذي يرسم له ما يمكنها أن تحقق ومع من.  لعل الفائدة للسوريين ستكون أكبر إن تخلى كيري عن مهمته واعترف بوجود “حل عسكري” لبلدهم الذي ينهار ببطء، والذي يدمره خصومهم ليحولوهم إلى مشردين أو يتامى أو أموات.

ترجمة: ديمة الغزي

المصدر: السوري الجديد

31 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *