الوطنية السورية أساس عودتنا إلى الحياة


مضر الدبس

 يتعرض شعبنا منذ نحو خمس سنوات لأبشع أنواع الهمجية المدعومة بتقنيات القتل والتدمير الحديثة، والتي تخلف الجريمة تلو الجريمة والمجزرة تلو المجزرة. ويحدث كل هذا وسط مشاركة فاعلة أو في ظل صمت له طعم المشاركة من المجتمع الدولي، وعلى مرأى العالم كلّه، ليصبح السوريون اليوم أمامَ وضعٍ أقل ما يُقال فيه أنه وصمةُ عارٍ في جبين الإنسانية جمعاء. إن ما نشهده في وطننا اليوم، من قتلٍ وقصفٍ وتدميرٍ وتهجيرٍ وقتلٍ للأطفال، وخصوصاً في حلب ودرعا وريف دمشق، إنما يدل على أننا نواجه معتدين لا يمتلكون أدنى المعايير الأخلاقية، ونقف أمام قوى دولية كبرى باتت تستسهل الانتهاك المستمر للمواثيق والشرائع الإنسانية.

لكن يبقى الأخطر هو أثر هذه الكارثة في المستوى النفسي والقيمي والاجتماعي، أكان على مستوى الذات الفردية أو على مستوى المجتمع السوري بكليته. فالكوارث عموماً تؤدي إلى تغيرات سلبية، وقد تؤدي إلى ولادة تشوهات نفسية وأخلاقية، كما يمكن لها أن تكشف عن خراب سحيق لم نكن نعلم به أو نعرفه من قبل، أو ربما كنا نعرفه جيداً لكننا آثرنا الصمت وتغطية عيوبنا الفردية والمجتمعية طمعاً باستقرار زائف أو انتصاراً لفكرة استمرار مركب حياتنا بالسير محملة بالعيوب والنواقص التي تلف حياتنا. لذلك، يغدو من الطبيعي اليوم أن تظهر على السطح أنماط تفكيرنا اللاعقلانية والثغرات الكامنة في أنفسنا، وردات أفعالنا غير المتوازنة، ونقاط الضعف في بنيتنا الاجتماعية، فضلاً عن التشوهات في البنية الفوقية، أي في الحيز السياسي الثقافي.

ما يؤكد حضور العيوب السابقة في حياتنا أننا اكتشفنا تدريجاً خلال السنوات الماضية أن ذهنية التكفير الداعشية تكاد تكون نمط التفكير المعتمد والسائد لدى جميع القوى والتيارات والجماعات بمختلف انتماءاتها وأهدافها، وليست مقصورة على التنظيمات المتطرفة فحسب. ومنها أيضاً اكتشافنا أن الشعب السوري ظهر مؤلفاً من جماعات مغلقة على نفسها ومحكومة بالأوهام عن نفسها وعن الآخرين، حتى أننا اكتشفنا مساهمتنا الواعية أو غير الواعية في تكرار تعابير زائفة حول التماسك المجتمعي في سورية من دون أن نتعب في استحضارها على أرض الواقع، مثل حديثنا المتكرر في سورية حول التسامح بين الطوائف الدينية، والأخوة العربية الكردية، والتميز السوري مقارنة ببلدان المنطقة الأخرى.

بالطبع، يتحمل “النظام السوري” المسؤولية المركزية في هذا الإطار كونه لم يعمل أبداً على إنتاج هوية وطنية سورية حقيقية، بل على العكس حطّم بوادر تلك الوطنية التي بدأت بالنمو بعد الاستقلال، فضلاً عن قمعه طوال نصف قرن لجميع محاولات التنوير والتوعية ومعالجة المشكلات الحقيقية، وممارسته لجميع أشكال القهر والاستبداد، ليظهر بعد انطلاق الثورة أنه لم يكن أكثر من جهاز قتل وتعذيب.

مع كل هذا التشظي النفسي والمجتمعي تبقى الوطنية السورية هي الملجأ والملاذ، وهذه ليست مجرد دعوة أخلاقية، على الرغم من أهميتها، بل هي أساساً دعوة سياسية تحتاج من النخب السياسية والثقافية إلى كل عناية لإعادة بنائها بعيداً من الزيف والتستر على العيوب، واعتماداً على أسس صحيحة ومتينة يأتي في مركزها شرعة حقوق الإنسان، فالوطنية السورية الحقّة التي يُعتدُّ بها هي فحسب تلك التي تجعل من احترام حقوق الإنسان الأساس والمنطلق. الوطنية السورية بهذا المعنى هي “منظومة أفكار ومبادئ يجب أن تحرر في معانيها من الانتماء التاريخي الجبري والانتماء الاسمي واللغوي الضيّق، ويجب تحويلها إلى التزام، وفلسفة، وإلى حركة تتلاحم مع مصير الوطن”.

إن السنوات الخمس الماضية كفيلةٌ بأن تُبرهن أن التفافنا حول سوريتنا وجعل الوطنية السورية مُنطلقنا وغايتنا هو السبيل الأنجع لتحقيق أَمننا وتحقيق ما نتوق إليه من حريةٍ وكرامة. إن تثبيت الوطنية السورية أساساً ومرتكزاً يفيدنا في تصحيح مقارباتنا للوضع الحالي بدلاً من الضياع في متاهات ردات الفعل والتعصب العرقي أو الطائفي، وآنذاك فحسب يمكننا أن نقول بثقة واطمئنان إنمن يقتل السوريين الثائرين من أجل الحرية والكرامة، من طُغمٍ سياسية أو مليشيات طائفية أو مجموعات متطرفة، إنما يقوم بفعلٍ إرهابي، من حيث يدري أو لا يدري، كما يمكننا تثبيت حقيقة أن تغييب الوطن السوري لمصلحة فردٍ أو أيديولوجية أو طائفةٍ أو عرقٍ يصبُّ في الحصيلة في بوتقة الاستبداد وإعادة إنتاج القهر وإن اختلفت الأشكال والأدوات.

إن وضعنا اليوم، والذي بات لا يخفى على أحد بما فيه من هول المأساة وفداحة الألم، يتطلب منا أن نكون يداً واحدة في الميادين كافة، المدنية والسياسية والعسكرية، ويحتاج منا إلى تغليب المصلحة الوطنية السورية، لذلك فإننا ننادي كل سوري ليمدَّ يدَ التعاقد للجميع على مشتركٍ أساسه سوريتنا، ونؤكد أن مصلحة الوطن تتلاقى في أهم أشكالها وأبرز تجلياتها مع مصلحة كل فردٍ ينتمي إليه، وهي مصلحة الجميع التي تسمو فوق مصلحة الفرد الحاكم، ووفوق مصلحة الطغمة التي تنهب مقدرات البلد، وفوق مصلحة الدول والمليشيات التي تحمل مشاريع أيديولوجية طائفية مُضلِّلة.

لقد كانت سورية عبر التاريخ بلد الحضارة والتنوير والسلام، وكانت أكبر من الغزاة وأعظم من أن تنتصر عليها الهمجيات المختلفة، وعودتنا دائماً أن تنهض من الموت وتعيد إنتاج الحياة، ويمكن لها أن تستعيد دورها عندما تغيب غمامة الاستبداد ويعلي أبناؤها من شأن الوطنية السورية ويعلنون وفاة الأوهام من أي لون.

 

المكلف بمهام رئاسة اللجنة التنفيذية في حزب الجمهورية

176 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *