كفرنبل… الرمز الباسِم للثورة السورية


أنس الكردي

ما إن تطأ قدمك مدينة كفرنبل التابعة لمنطقة معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي الغربي، والتي تستريح غربها على بعد 13 كيلومتراً، حتى تشعر بنبض الثورة السورية، وترى أعلام الاستقلال ذات المستطيلات الثلاثة الأفقية المتوازية الملونة من الأعلى حتى الأسفل بالأخضر والأبيض والأسود.

أجمل ما في المدينة اختفاء المظاهر المسلحة فيها، فثمة قرار غير مكتوب عمدت من خلاله كتائب “الجيش السوري الحر” والفصائل الإسلامية على أن تكون مقراتها خارج المدينة. وعلى الرغم من السيطرة غير المباشرة لـ”جبهة النصرة” على كفرنبل، لكن يجري التصرف على مبدأ ألا “يتدخّل أحد بالآخر”، إذ قد تتجوّل فيها يوماً كاملاً من دون أن تلحظ أي مظاهر لـ”الجبهة”.

على العكس من ذلك، تملأ الصور الكاريكاتيرية المعبّرة والرسومات التي أعطت للبلدة شهرتها خصوصاً في الأشهر الأولى للثورة السورية، جدران المدينة، ويُسخّر أبناء البلدة أقلامهم لنقد التعامل الدولي مع ما يحصل في الداخل السوري، أو النقد الذاتي للساحة السورية، أو السخرية من تعامل النظام السوري مع الثورة والقرارات التي يصدرها في المناطق التي يسيطر عليها، كأن تشاهد على أحد الجدران مثلاً جنوداً للنظام يتدافعون للهرب وراء بعضهم، فيما يكتب نص توضيح يجري فيه الكاتب حواراً بين ضابطين للنظام يسأل الأول: “أنا هربان من حوران، أنت وين هربان”، فيجيب الآخر “إدلب”.

أكثر من ذلك، تُزيّن أعلام “الجيش السوري الحر” معظم المحال والمؤسسات التي تدخلها، يضاف إلى ذلك ما اشتهرت فيه المدينة على مدار خمس سنوات وهي اللافتات التي ترفعها وتتناول الواقع السوري بسخرية عالية عقب كل صلاة جمعة. ويُركّز أبناء المدينة على الجوانب السلمية في كتاباتهم في غالب الأحيان، كأن تشاهد على مبنى خزان الكهرباء مثلاً دائرة مُسوّرة بعلم الثورة السورية تتوسطها الآية التالية: “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين”.

ولا يقتصر تعبير أبناء البلدة عن همومهم ومشاكلهم على اللافتات والصور التي تنتقد الواقع السياسي، بل يدخل ذلك في حياتهم اليومية، فقد تُفاجَأ عند دخولك إلى أحد المحال لشراء سلعة ما بهذه اللافتة: “نحن في المنزل يرجى عدم إزعاج الجيران بالسؤال عن المنزل”، فيما تشاهد الضحكة تزّين معظم الوجوه التي تلتقيها، على الرغم من أن القبضات اللاسلكية لا تهدأ وهي تشير إلى تحليق الطيران الحربي في الأجواء.

تحليق الطيران الحربي في السماء قد يعني مشاهد هروب جماعية وحوادث نتيجة السرعة، فالقصف لا يستثني كبيراً ولا صغيراً، وللمدينة تجارب عديدة مع مجازر الطيران الحربي، لكنّك على العكس من ذلك، ترى مشهداً طبيعياً في المدينة، محال تجارية مفتوحة، طلاب وطالبات ذاهبون إلى المدارس، مشاجرات كلامية بين سائق وراكب، شاحنات تحمّل بضائع، شركات الكهرباء تُصلح الأعطال وغيرها من المظاهر اليومية، فيما يبدو كأن القصف قد تحوّل إلى مشهد طبيعي لا أكثر، فيغيب الخوف وتحضر الحياة.

تتميّز مدينة كفرنبل ببيوتها الريفية، اذ إن معظم المنازل أفقية بتباعد صغير فيما بينها، تتألف من طابق واحد فقط مع السطح، وأمامه حديقة صغيرة، وأشجار تحيط بالبيت، كما توجد بساتين عديدة تفصل بين البيت والآخر في بعض الأحياء.

عندما يخيم الليل على كفرنبل، تقلّ حركة المارة كثيراً، ويبدو المشهد مريباً بعض الشيء: طرقات خالية ومظلمة، في حين أن البيوت تعيش على مولدات كهربائية لا تغطي الحاجة. داخل أحد المنازل الريفية الذي يحيط به الشجر من كافة الجوانب، ويمتاز من الداخل بتجهيزه على الطراز العربي، يستقبلنا أبو طارق ليحدّثنا عن بدايات الثورة السورية، إذ يقول إن “مدينة كفرنبل من أوائل المدن التي خرجت في تظاهرات، والتي نسّقت على مستوى المحافظة، ودخلها الجيش بأعداد كبيرة بآلياته ومدرعاته ودباباته، وهي نقطة ارتكاز جبل الزاوية بشكل عام، والريف الحموي بشكل خاص”.

يضيف أبو طارق: “تمركز الجيش (التابع للنظام) في كفرنبل وريفها في أكثر من نقطة، وكانت مهمته قمع التظاهرات، يلحق الأشخاص على متن “بي أم بي”، حيث يقصف بشكل عشوائي، وزاد إلحاح الشعب على التظاهر من نقمة النظام”.

ينقل أبو طارق حديث أحد الضباط، عندما قال في إحدى التظاهرات إن “مهمتي هي قتل المتظاهرين، لدي 400 عنصر مسؤول عنهم، وأنا أسأل من ضباط الأمن، لماذا لم أوقف المظاهرات، مهمتي إطفاء الحراك الثوري، لا أستطيع أن أقف وأنتم تخرجون في تظاهرات”. ويضيف: “استمر الضابط في القمع، جاء ضابط آخر أشرس قليلاً ومن ثم تغيّر، واستمر الجيش نحو سنة وشهر في كفرنبل، وعاث فساداً في الأرض، وعندما تابعنا في التظاهر أصبح يُداهم البيوت، ويعتقل ناشطين بناءً على معلومات المخبرين، بقينا خارج المدينة نحو سنة وشهر، وعندما يدخل أحد إلى منزله خلسة، يطوق الجيش الحارة ويتم اعتقاله”.

في منطقة الأحراش، نصب أبو طارق وآخرون خيماً، واستمروا قرابة العام. في إحدى المرات اشتبه الجيش بناشطين في هذه الأماكن، فأطلق النار على 35 شخصاً بين رجل وامرأة، وهؤلاء لم يكن لهم علاقة بما يجري.

وعن تحوّل الثورة إلى العمل المسلّح بعد نحو ستة أشهر، يقول أبو طارق: “على مستوى سورية كلها، كانت هناك بعض المعارك في درعا وحمص، فقررنا تحويل العمل إلى مسلح وإخراج الجيش من هنا. بقي العمل سبعة أيام متواصلة في كفرنبل، وتم تحرير المدينة وأسر ما يقارب من 75 عسكرياً بين ضابط وعسكري وقتل نحو 400 عنصر، والاستيلاء على العتاد العسكري”.

وبين اليوم والأمس، يلفت أبو طارق إلى أن “المعركة كانت بأبسط مقومات السلاح، بندقية، رشاش، قاذف آر بي جي، وهو أقوى سلاح كان بحوزتنا في ذلك الوقت، اعتمدنا حرب شوارع لا تحتاج إلى معدات ثقيلة وعتاد، على الرغم من أن جيش النظام كان يستخدمها، والذي كان لمجرد وجود شخص مسلح في أي مبنى يقصفه بشكل كامل، إلى أن اضطر الجيش في حاس وكفروم للانسحاب خشية الهجوم، فانسحب إلى وادي الضيف وتمركز هناك حتى تحريره في وقت لاحق”.

المصدر: العربي الجديد

1 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *