ماذا بقي في يد السوريين، وماذا يمكن أن يفعلوا؟


حازم نهار

 

ماذا بقي في يد السوريين، وماذا يمكن أن يفعلوا؟

في ظل الوضع السوري المعقّد وارتباطه اليوم بتوازنات وصراعات إقليمية ودولية مختلفة، ثمة أسئلة بديهية شائعة ومشروعة، تتردد على ألسنة الكثيرين، لعل أهمها: ما الحل؟ وماذا بقي في يد السوريين؟ وماذا يمكن أن يفعلوا؟

 

في اعتقادي، كان هناك عاملان حاسمان في تغيير الوضع السوري طوال السنوات الخمس الماضية، يتعلق الأول بوجود قوة سياسية مركزية سورية يمكن لها أن تحظى بإجماع وطني، وتشكل بديلاً سياسياً متماسكاً يفرض نفسه في الداخل والإقليم والعالم، ويتعلق الثاني بوجود قرار دولي حاسم برحيل “النظام السوري”، وبشكل أساسي القرار الأميركي.

 

اليوم، يمكن القول ببساطة إنه لم يتحقق أي من العاملين الحاسمين، فلم تتمكن الثورة من إنتاج قوة سياسية مركزية واضحة البرامج والأهداف، بل تمخضت عن ركامٍ من المجالس والهيئات والتحالفات والائتلافات الهشة والمؤقتة وغير المنظمة التي أُسِّست بمبادرات من بعض الأفراد الذين فرضوا طابعهم وأداءهم عليها، وشارك فيها نمطان معيقان ومعاقان، بحكم أسبابٍ موضوعيةٍ، من “القوى السياسية”، قوى معارضة تقليدية وأيديولوجية ومغلقة على نفسها، وقوى هلامية بلا برامج وسياسات وخبرات. ألم تكن مشكلتنا الأساسية أصلاً، طوال السنوات الخمس الماضية، في عدم توافر قوى سياسية حقيقية تحمل مطالب الثورة وتدير الدفة السياسية مع المحيط بشجاعة وحكمة في آن معاً، وظلت الثورة تائهة تلعب بها مجموعة من الأطفال أو الهواة أو البلهاء أو المستحاثات الأيديولوجية أو الانتهازيين أو المرتزقة. للتذكير: الكلمات السابقة توصيفات وليست شتائم.

 

أما أميركا، فقد عملت على التحكم في ساحة الصراع وأدوار الدول والقوى الإقليمية، وأدارت تناقضاته بأسلوب “إدارة الأزمات”، وقيّدت جميع الأطراف بخطوط حمراء، ما سمح بإدامة الصراع وتفسّخ الوضع السوري، حتى أصبح السوريون في الحصيلة محكومين بالعجز عن فرض الحل الذي يريدونه لبلادهم.

 

في الإجابة عن الأسئلة المتكررة “ما الحل؟ ماذا بقي في يد السوريين؟ وماذا يمكن أن يفعلوا”، أقول إن أهم خطوة يمكن أن يقوم بها السوريون هي الذهاب نحو تنظيم أنفسهم في قوى وأحزاب سياسية حقيقية وعصرية، وفي منظمات مجتمع مدني متماسكة، فالمجتمع المنظم هو وحده الذي يمكن له أن يقوم بالمهمات المطلوبة والضرورية: الحدّ من تأثير الخارج وتدخلاته، إسقاط الاستبداد بأشكاله كافة، بناء الدولة الوطنية السورية الجديدة.

 

ينظر كثيرون باستخفاف واستهجان متوقّعين ومفهومين تجاه النداء الذي يحضّ السوريين على تشكيل أحزاب وقوى سياسية جديدة ومتماسكة، إذ كيف يمكن إطلاق مثل هذا النداء في الوقت الذي يعاني فيه السوريون القتل والتعذيب والتشريد والتجويع، وفي ظل وضع أصبحت فيه الدول الإقليمية والعالمية تملك زمام الأمور في سورية وتتحكم في مصير السوريين؟ لكن هؤلاء لا يخبروننا عن مدى قدرتهم، وقدرتنا جميعاً، في الحالة الراهنة، على التأثير في قرارات ومصالح الدول، وعلى إيقاف القصف وحماية السوريين، وعلى جلب الدعم الكافي في أي مستوى يريدونه، وعلى مستوى استعادة البلد وإعمارها وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة…. إلخ. في الحقيقة لا قدرة للسوريين على إنجاز سوى درجات بسيطة من المهمات السابقة في اللحظة الراهنة، ولكن إن أرادوا فعلاً فعليهم أن يبدؤوا بتنظيم أنفسهم.

 

ويعتقد كثير من السوريين أيضاً أن مستقبل بلدهم ومصيرهم قد أصبح في يد القوى الدولية والإقليمية، وأنه ليس في قدرتهم التأثير في مسار حوادث الواقع، وليس عليهم اليوم سوى انتظار ما يمكن أن تتفق عليه الدول أو ربما انتظار السماء لتجود بما نريد. هذا الرأي صحيح في اللحظة الراهنة إنما بشكل نسبي، فالعامل الداخلي يبقى هو الحاسم عبر التاريخ، وهو ما يحِّدد درجة ومستوى التدخل الخارجي، ما يعني أنه كلما أنجزنا على صعيد تمتين الداخل وتنظيمه وإطلاق دينامية داخلية للحلّ، كلما أنجزنا خطوات مهمة على صعيد الحدّ من دور الخارج.

 

هناك من يقول إن الوقت الراهن لا يسمح ببناء قوى سياسية جديدة، ويجب الانتظار حتى رحيل النظام وتحقيق الاستقرار وتوقف القتال: هل هناك من يعتقد أن العالم سيسمح بتغيير جذري في النظام القائم من دون تشكل قوى سياسية ومدنية تستطيع الإمساك بزمام الأمور؟ في الحقيقة، إن لحظة سقوط النظام أو تطعيمه عبر حلٍّ سياسي انتقالي ستكون لحظة متخمة بالاهتزاز والفوضى وضياع البوصلة، وهذه تحتاج إلى قوى سياسية ومدنية تستطيع إدارة البشر وحاجاتهم وتناقضاتهم وانفعالاتهم. يذكرني هذا الرأي الذي يشدِّد على الانتظار اليوم وترك مهمة بناء قوى سياسية جديدة إلى المستقبل بذلك الانتظار المجاني الذي تتحدث عنه نكات حمصية عديدة، جميلة ومعبرة، منها أن “الحمصي” ينتظر ثلاثة أيام حتى يلبس حذاءه الجديد، لعله يتوسع خلالها فلا يؤذي قدميه، وآخر لا يصوم الأيام الثلاثة الأولى من رمضان لأنها ستكون صعبة عليه. معنى ذلك أن جميع هذه الانتظارات مجانية ولا قيمة لها، وإن حصلت سنجد أنفسنا فجأة وجهاً لوجه في مواجهة الحقيقة الصعبة والحاجة المفقودة التي لم تجد من يلبيها.

 

ينسى المتسائلون السؤال المكمل والمحوري: ما معنى تحقيق الانتقال السياسي الذي نسعى له من دون وجود قوى سياسية؟ في الحقيقة لا يعني أكثر من وصول مجموعة من الأفراد إلى سدّة الحكم، وهؤلاء يمكن أن يكونوا من العسكر أو من رجال الأعمال المرتبطين بدول معينة أو من قوى إسلاموية غير ديمقراطية، ولكلٍّ من هذه الجهات برنامجها الذي لا ينسجم مع طموحات الشعب السوري وأهداف ثورته.

 

إذا عدنا مثلاً إلى التنافس السياسي الذي حصل في مصر بعد رحيل رأس النظام، سنجد أنه كان محصوراً في المرحلة الأولى بين التيارات الإسلامية ورجالات النظام السابق، وبين التيارات الإسلامية والعسكر في مرحلة تالية، لنكون في الحصيلة أمام سيطرة العسكر وإعادة إنتاج النظام القديم. وهذا معناه أن النظام لم يسقط سياسياً، وإنما حدث تبديل في رموز النظام فقط، وهذا ما يجعلنا نقول إن إسقاط النظام سياسياً هو أهم خطوة يمكن أن تقوم بها أي ثورة، وهذا غير ممكن من دون وجود قوى حقيقية ومتماسكة وشعبية.

 

إذا حاولنا استقراء مستقبل التحالفات والائتلافات والقوى الهشة القائمة اليوم في سورية، نستطيع ببساطة أن نتوقع انحلالها وانفراط عقدها بحكم عوامل عديدة، ومعنى ذلك هو أن المجتمع السوري، في حال لم تحدث مبادرات جدية لبناء قوى جديدة، سيكون مستقبلاً مجتمعاً فوضوياً وهلامياً بلا قوى سياسية أو مدنية حقيقية، ما يتيح المجال للقوى المنظمة أن تستأثر بإدارة البلد ومصائر السوريين، أي العسكر والقوى الدينية المتطرفة بشكل أساسي. ينبغي الخروج من هذه المعادلة القاتلة.

 

لا يمكن لجهاز الدولة السورية مستقبلاً، إزاء حجم الدمار الذي حصل في سورية، أن يأخذ على عاتقه وحده إعادة الإعمار ومعالجة مشكلات أساسية ضاغطة مثل المشكلة التعليمية والمشكلة الصحية، هذا إن افترضنا أن هذه الدولة قائمة أو سيتم ترميمها خلال فترة زمنية قصيرة أو أنها لن تكون دولة وظيفية تقوم بإنجاز عدد من المهمات والوظائف المرتبطة بمصالح دول الإقليم والعالم أكثر من كونها دولة وطنية معبرة عن السوريين ومصالحهم.

 

كذلك، لا شيء يمكن أن يقف في وجه مخاطر التقسيم والتذرر مثلما يمكن لحقل سياسي قوي وموحّد أن يقوم به، بمعنى إجماع مجموعة من القوى السياسية الحقيقية على عددٍ من النقاط الأساسية يأتي في مقدّمها وحدة سورية أرضاً وشعباً. لذلك يمكن القول بثقة إن توافر سورية على حقل سياسي جديد وموحّد هو الشرط الأساسي لضمان وحدتها واستقلالها. يُضاف إلى ذلك أن القوى السياسية والمدنية هي التي تكفل عدم استمرار تفسخ المجتمع السوري في ظل الحرب وبعدها، فضلاً عن دورها في إعادة بناء وإنتاج الهوية الوطنية الجديدة. فهذه القوى هي التي يقع على كاهلها بشكل أساسي بناء الدستور الوطني وإنتاج إعلام وثقافة جديدين يساهمان في بلورة الهوية القادمة تدريجاً على أسس صحيحة.

 

يحقّ لنا أن نسأل أخيراً سؤالاً جوهرياً عن معنى الثورة من دون إنتاج حقل سياسي جديد، فكل ثورة ينبغي أن تُترجم في المآل إلى تغييرٍ في البنية الفوقية في المجتمع، تلك التي ستعيد بالضرورة بناء وإنتاج البنى التحتية المتنوعة، أي تغيير السياسة والعلاقات السياسية والوظيفة السياسية، وهذا غير ممكن من دون وجود قوى سياسية جديدة تتجاوز أخطاء وممارسات القوى القديمة الآخذة بالاضمحلال، إن في السلطة أو المعارضة. وهذا معناه في الحصيلة بالنسبة لنا أنه علينا الاختيار بوعيٍ ومسؤولية، بين ثورة تستمر في التوهان، وثورة يمكن أن تتحول إلى دولة جديدة لجميع أبنائها.

1٬307 مشاهدة
1 عدد الردود
  1. عصام دمشقي
    عصام دمشقي says:

    ان السعي لتنظيم مؤسسات وتنظيمات سياسيه ومدنية هو عمل بالاتجاه الصحيح وربما ما يمكن انجازه الان هو تحضير نويات هذا العمل وخاصه ان عملا حقيقيا وواسعا في الداخل السوري يشترط حدا كافيا من انتهاء الاعمال العسكرية وعوده الحياه الى طبيعتها ووجود هامش من الأمان للمجتمع الذي تعب من القتل والدمار والاعتقال اما العمل انطلاقا من المنافي فقد تكون المهمة الصعبه هنا إيجاد أشكال تجمع وتوحد وتطور منظمات المجتمع المدني القائمه وبالطبع انشاء منظمات جديده ايضا والمهمة نفسها مطروحه على الأفراد والتنظيمات والتجمعات المهتمة بالنشاط السياسي والتي تحمل مشاريع سياسيه متقاربة ولكن بالنتيجة وبغض النظر عن رغباتنا لاتزال عوده الحياه السياسية رهنا بتغيرات مرهونه بدورها للوضع الاقليمى والدولي

    رد

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *