مالذي دفع بروسية إلى إعلان انسحابها جزئياً من سورية!


طريف الخياط

 

كما كان التدخل الروسي في سورية حدثا قلب الموازين سياسيا وعسكريا، فإن إعلان روسيا المفاجئ سحبا جزئيا لقواتها، عشية التاريخ المزمع لبدء مفاوضات جنيف بين نظام الأسد والمعارضة، هو حدث لا يقل أهمية ويحتمل قدرا كبيرا من التأويلات.
لنبدأ باستعراض الاحتمالات ومن ثم محاولة تفنيدها واحدا تلو الآخر. قد يكون التصريح دلالة عن صفقة أو تهديد أوروبي أو أمريكي لروسيا، أو ضغطا حقيقيا على بشار الأسد، أو ان الأمر برمته مجرد مناورة روسية، كما قد يكون نتاجا لخلافات داخلية في الكرملين.

لا شك أن احتمال حدوث اختراق بين روسيا والأوروبيين أو الأمريكيين أو كليها هو أمر قائم. لكن في المقابل ماهي التنازلات التي من الممكن أن تكون قد قدمت لروسيا ودفعتها إلى بيع حليفها بهذه الطريقة، لا سيما وأنها دائما ما تقدم نفسها على أنها تلتزم بدعم حلفائها حتى النهاية، وذلك بالمقارنة مع خصمها الأمريكي.

 

تلك الصورة إن اقتربت من أذهان المقربين من موسكو في آسيا الوسطى والقوقاز، كما في أوكرانيا وروسيا البيضاء ومولدافيا، فإنها ستضر كثيرا بمصالح روسيا. ومع الأخذ بعين الاعتبار أن الكثير من حلفاء موسكو قد بدأ يعيد حساباته بعد فقدانها ملاءتها الاقتصادية بسبب انهيار سعر النفط، يصبح المشهد بالنسبة للروس أكثر قتامة. و الأهم هنا، هل تسنحق تنازلات محتملة في ملفي العقوبات الأمريكية أو الأوروبية، أو حتى تعهدات -يمكن التراجع عنها- بلجم تعزيز الناتو حضوره العسكري في دول البلطيق وشرق أوروبا، ذلك الضرر بصورة موسكو.

 

مع استبعاد أن يكون التنازل المحتمل قد تم بالملف الأوكراني، وذلك لغياب فرص التقدم بالأخير بسبب عوامل واضطرابات داخلية ضمن حكومة كييف الموالية للغرب. ومع الأخذ بالعلم بأن الاقتصاد الروسي في ضائقة وليس بحالة انهيار، وأن موسكو لا يزال بجعبتها مئات المليارات من الدولارات كوسائد مالية راكمتها خلال السنوات السابقة من ازدهار أسعار النفط، فإن الاحتمال السابق -على كونه قائما- يفقد بعضا من أرجحيته.

 

من جهة أخرى، هل يمكن لأي تهديد تتعرض له روسيا أن يدفعها إلى رد فعل من هذا النوع؟ وماذا يملك الغرب من أدوات لتهديد روسيا، سوى تعزيز تواجد قوات حلف الناتو على الحدود مع روسيا أو تعزيز تعاون الحلف مع أوكرانيا وجورجيا. إن سلوكا من هذا النوع، سيدفع موسكو للتصعيد في سورية وأوكرانيا، أو إلى مزيد من التمدد والتدخل في مولدافيا وربما دول البلطيق -مع اعتبار الأخيرة تصعيدا خطيرا بسبب عضويتها في الناتو- وليس انسحابا بهذه الطريقة. فهل يحتمل أن يكون الانسحاب أو سحب القوات نتيجة خلافات داخل الكرملين؟.

 

كثيرة هي الشائعات و التحليلات التي تتناول صراعات مكتومة تطال موازين القوى الروسية الداخلية وبوتين نفسه، وتتمثل في جزء منها بحيتان الطاقة والصراع بين الأجهزة الأمنية سعيا لمزيد من النفوذ. ويدعمها أيضا بعض الاغتيالات الغامضة، واختفاء بوتين سابقا لعشرة أيام، وتصريحات وأفعال حليفه قاديروف (رئيس جمهورية الشيشان الروسية) ومن ثم إعلان تنحيه، والتغييرات ببعض المناصب الأمنية الحساسة في روسيا وغيرها كثير. لكن من الصعب أن يتمخض عن ذلك أفعال تضر بصورة روسيا ومكانتها الدولية التي تجهد لتضخيمها وتعظيمها في محاولة لاستعادة مجدها الضائع كقوة عظمى، رغم الضعف النسبي لإمكاناتها الاقتصادية و العسكرية التقليدية (غير النووية).

 

أما أن يكون التصريح مجرد مناورة روسية، لاستشراف ردود الأفعال فإن لذلك ما يدعمه. عامل المفاجأة الذي عبرت عنه تصريحات المسؤولين الغربيين والأمريكيين، كما رد فعل نظام الأسد (سنأتي عليه لاحقا)، وكون الانسحاب ممنهجا على مدة خمسة أشهر، توحي بأن الأمر يحتمل أن يكون مناورة. بحيث تستطيع موسكو من خلالها، أن تقدم نفسها شريكا يمكن الوثوق به بالنسبة للغرب مقابل ثمن يجري التفاوض عليه، وتستعرض من خلالها حجم نفوذها والمدى الذي يمكن أن تذهب إليه أمام إيران ونظام الأسد نفسه.

 

تبدو العملية المزمعة، من خلال التصريحات، وكأنها معززة باستراتيجية خروج محكمة. وذلك من خلال المدة الطويلة التي ستجري من خلالها عملية الانسحاب، وغياب –حتى اللحظة- أي معلومات عن القوات التي ستطالها العملية، إضافة إلى الإبقاء على قاعدتي حميميم وطرطوس وتأمين الدفاع عنهما “برا وبحرا وجوا”، حسب تصريح وزير الدفاع الروسي، بما يفتح المجال لإجراء عملية سحب شكلية. وبذلك تستطيع روسيا أن تستمر بلعب الدور نفسه الذي تقوم به حاليا طوال مدة الأشهر الخمسة المعلنة، وما بعدها.

 

أخيرا وليس آخرا، فإن الاحتمال الذي يبدو أكثر ترجيحا، بناء على ما صدر من تصريحات ورشح من معلومات إلى الآن، أن يكون الأمر متعلقا بخلاف مع الأسد على مسألة تنازله عن السلطة، حيث قررت روسيا على إثره سحب قواتها لإضعاف موقعه التفاوضي في جنيف عمدا. فخلال الأسابيع الماضية، كانت محاولات الضغط العلنية على النظام واضحة، من خلال انتقادات الخارجية الروسية للانتخابات البرلمانية السورية في أبريل القادم. كما أن لسفير روسيا في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين تصريحات لافتة، تنتقد ما أعلنه الأسد عن نيته استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، مع إشارة غير إيجابية تجاه الأخير عبر تصريح تشوركين بضرورة النظر إلى أفعال الرئيس السوري وليس إلى أقواله، رغم تموضعه على أعلى هرم السلطة في سوريا. يخرج عن هذا السياق تصريح لبوتين أثناء محادثته مع زعماء غربيين، بأن إجراء الانتخابات البرلمانية السورية لا يتعارض مع مسار جنيف -مما يبقي الباب مفتوحا دائما على احتمالات متعددة عند تناول الموقف الروسي المحترف في المناورات السياسية.

 

إن رد فعل نظام الأسد ينحو أيضا نحو تأكيد الفرضية الأخيرة، فالبيان الصادر عن الرئاسة يسعى جاهدا للتأكيد على أن الأمر تم بالتنسيق بين الأسد وبوتين، وأن الحديث عن خلافات مع روسيا هو من افتعال للإعلام المعادي. ومن جهة أخرى، فإن رئاسة الأركان قد أعلنت أن العمليات العسكرية مستمرة في مواجهة “الإرهاب”. كل ذلك، يوحي بنوبة ذعر تجتاح النظام من أثر التصريحات الروسية وخشية من انهيار معنويات الجيش، وربما مخاطر أبعد على سلامة النظام، بما يعزز أن النظام نفسه قد تفاجأ بالتصريح وتوقيته الذي يوجه ضربة عنيفة لموقعه التفاوضي في جنيف.

 

يبقى أن الأيام القادمة تستحق متابعة دقيقة، من خلال إبقاء العين مفتوحة لالتقاط إشارات عن صفقة محتملة بما سيرشح من مفاوضات جنيف، ومراقبة التحركات التصريحات والأفعال الروسية للتأكد من جدية -أو عدم جدية- إعلان سحب القوات، والأهم نوعية الأسلحة والوحدات التي سيشملها، ومراقبة سلوك وتصريحات وفد النظام في جنيف، وما سيبادر به، هو وإيران، من تصريحات وأفعال على الأرض.

 

وبالنسبة للأخيرة، فإن مؤشرات كثيرة توحي ببعض الخلافات مع موسكو في الشأن السوري، لكن في المحصلة لا تتبتعد مواقف الطرفين كلية عن بعضهما البعض، وهناك مصالح كثيرة أخرى تجمعهما وخصوصا في منطقة القوقاز، بما يدفعهما إلى لجم الخلافات وحسن إدارتها.

 

لا شك إن تكلل جنيف -ليس بالضرورة من خلال الجولة الراهنة- بموقف يفضي إلى رحيل الأسد، سيكون ذلك خطوة مهمة، وتجاوزا لعقبة كأداء على الطريق الطويل والوعر لبناء الجمهورية الثالثة في سورية.

350 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *