الثورة: معزوفة الشباب السوري أمام جمهورٍ أصمّ


مضر الدبس

((إنَّ الذكرى تنفع المؤمنين))، وبماذا تنفعُ الذكرى إن كان عليها تكرار ما قِيل، ووصف ما حدث، من دون التمحيص والتدقيق من أجل استخلاص العِبر؟!، فليست الخبرة الثورية ما قد حصل وتراكم خلال الثورة فحسب، بَل ما قد فعلناه تَفاعُلاً مع ما حَصل، والأهم ما قد تعلمناه مِمّا حَصل ومن أخطائِنا عبر مسيرة حصوله. الخبرة الثورية هي ما تَغيَّرَ إيجاباً ونتيجةً لتطورِ وعينا ومدراكنا وفهمنا للحياة بالعموم ولطبيعة الأشياء والأفكار من حولنا بالخصوص، وعاملُ الزمن أقلُّ عواملِ الخبرة أهميةً، رغم أهميته.

يكاد يكون النظر إلى الخلف سعياً خلف العِبَر من أكثر المهمات صعوبةً ضمن مزاجٍ عام أقرب إلى الأحكام السريعة العاطفية منه إلى المتأنية المُطفَّفة، ولكّن الطرق الصعبة هي خيار الطموحين والثوريين ومتعتهم، وكانت منذ البداية خيار الشباب السوري الجميل الذي أعلن عن وجوده حاملاً الورود مترنماً بتراتيل السلام توَّاقاً إلى الحرية. تَكَوَّن تجمعُ الشباب المقصود من تحالفٍ اجتماعي تلقائي بين فئات الشباب الجامعي والطلاب والشباب الحرفي من غير المتعلمين الذي أظهر جميعه وعياً ومقدرةً على فهم التكامل بين مهارات التخطيط ومهارات التنفيذ وتوزيع الأدوار القائم على معرفة الكفاءات والاعتراف بها. وتمكَّن الشباب السوري باستخدام هذا الأسلوب التنظيمي العفوي البسيط المؤمن بغاياته من السير بالعملية التي ندرك جميعاً اليوم أن تنظيمات المعارضة السياسة ومثقفيها وكتَّابها جميعهم لم يتمكنوا من السير بها خطوةً واحدة، بَل أدهشهم ما حصل لدرجة عدم التصديق والتشويش، ليس لشيءٍ سوى لإثبات الوجود والاستحواذ على المشهد ليكون تَصدّرُه ((أقلَ مكافأة)) لهم على فترات نضالهم السابقة، أو على فترات سجنهم في سجون النظام. ووَسَمَ هذا المُنطلق سلوكَهم السياسي الذي اختلف شكلُه بتفاوت درجة إتقانهم اللعب ضمن وسائل إخفاء هذة الغاية غير المعلنة. وكان مُقدَّراً لخيار الشباب خلال السنوات الخمس الماضية أن يقف مستاءً خائب الظن متضرراً من سلوك ((عمالقة المعارضة)) الذين أتقن النظام قتل السياسة في عقولهم، ثم أتقن تحنيطهم فضمن سكونهم، ثم استفزهم استفزازاً مُمنهجاً فضمن تعزيز أسلوب عرقلتهم للمسار الثوري الوليد، والاستثناءات هنا نادرة…ويرى الناظر إلى الوراء بعينٍ موضوعية ووطنية فاحصة أن صورة الشباب كانت أنصع وأجمل ما في مشهد الثورة في سنواتها الخمس، وأثبتت التجربة أنها الصورة الأكثر حكمةً وهدوءاً ورزانة. ولم يكن إقصاء الشباب عن السياسة بحجة نقص الخبرة السياسية إلا نتيجةً لفوضى الفكر والسياسة، ونتيجة للأنانية والفوقية إن حصل وترتبت فوضى الفكر والسياسة في أوقاتٍ وحالاتٍ نادرة. ويتضح اليوم أن الشبابَ المُستبعَد بحجة ((نقص الخبرة)) يمتلك فنَّ السياسة وحكمتَها أكثر من أغلب السياسيين الذين فاتهم الوقت لتحصيلها. كانت الثورة ومازالت موسيقا رائعة مُلهمة يعزفها الشبابُ عزفاً منفرداً، ما فتِئُوا يُثبِتون جمال اللحن، وصحة وقعهِ على النفس الإنسانية عند كل فرصة تهدأ فيها أصوت النشاز قليلاً. ولكن تبقى المشكلة الرئيسية في أن معظم الجمهور الذي عُزفت ألحانُ الثورة السورية أمامه كان أصمَّاً: لا يستطيع إدراكَ جمال الموسيقا. ومن انضم غير مدعوٍ إلى المشهد السوري من الخارج كان همجياً داعشياً، أو مُترفاً صمَّ أذنيه استمتاعاً بمشهدٍ رأى فيه ما يكفي من السوريالية المربكة، فأخذ يبكي تارةً ويضحك أخرى، ولك أن تتخيل المشهد من فوق….

وفي يوم الذكرى يجب أن تنذكر مرةً أخرى: كم من رجلِ أمنٍ ومخبرٍ، وكم من متعصبٍ أيديولوجي، و كم من جنينٍ “داعشي”، تدثروا بالتظاهرة كي يكونوا أوضح، أو أكثر وضوحاً ممّا يريدون، تدثروا فيها كي لا يفضحهم وضوح الأشياء في فكر الثائرين. كم من عَلَمَينِ تنابزا بالألوان بين شبابٍ عاشق، وفي تَبيُّنِ الهوية تائِه، وكم من شعارين تزاحما لكي يبوحا بما سيتهدم فينا أو بما سيتعمر فينا، والذهن يسرَح في السؤال عن المتبقي من حياة قاتلنا، وعن الباقي بعد إحصاء قتلانا، وعن الذي مات في وجدان الأحياء منَّا.

لا نهاية لهذه المقالة، فلا يطيب مقام الخواتيم في طموح الشباب….

135 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *