السريالية بأسوأ أشكالها


باسل العودات

دعا بشار الجعفري، رئيس وفد النظام السوري في مفاوضات جنيف، لإرغام المعارضة على الالتزام بتحرير الأراضي السورية في هضبة الجولان المحتلة من إسرائيل كجزء من تسوية الأزمة السورية وشرط لها، ولم يكتف بذلك المطلب السريالي الذي لا يصلح لهذا المقام ولم ولن يكون بنداً من بنود هذه المفاوضات، بل طالب كبير مفاوضي وفد المعارضة محمد علوش بـ (حلاقة لحيته) كشرط آخر لبدء محادثات مباشرة بين وفدي النظام والمعارضة.

لسنا بصدد الرد على الجعفري فهذا شأن المعارضة السورية ومهمتا، لكن ما يثير بالموضوع أن الرجل تناسى أن أحداً لم يمنع طوال أربعين عاماً النظام الذي يُمثّله من تحرير الجولان بل تاجر بها طوال عقود، كما تناسى أنه هو نفسه لديه لحية لم يُطالبه أحد بحلاقتها.

لربما يصحّ القول أن هذه السريالية والانفصال عن العقل (وليس الواقع) ليست صفة للرجل وحده، بل باتت سمة من السمات التي يحرص غالبية رجالات النظام السوري على التمسك والتوصف بها، وتصريحات الجعفري ليست إلا جزءاً من كل وساقية من بحر، ففي عجالة استعراضية لبعض هذه السريالايات يمكن أن ننتقل من موضوع سياسي إلى موضوع من مواضيع الكوميديا السوداء.

منذ مطلع الثورة وبزمن تظاهراتها الشعبية السلمية الأولى، تحدّث مسؤولون في النظام السوري ـ وهم بكامل وعيهم ـ عن مجسمات للمدن والبلدات السورية تم إنشائها في قطر بهدف تصوير تظاهرات وترويجها إعلامياً على أنها تجري في سورية، ثم تحدثوا عن توزيع حبوب (كبتاغون) للمتظاهرين كمكافأة لمشاركتهم في التظاهرات، وعرض إعلام النظام أكياساً لتلك المادة المخدرة موسوم عليها شعار قناة (الجزيرة) قال إنها صودرت مع المتظاهرين قبل توزيعها، وكذلك تحدث مسؤولون سوريون عن “غواصات في نهر الفرات” و”(فلاشات) فيها أسرار الثورة” وعن “قرار رئاسي باسترجاع الأندلس”، وتتالت بعدها السريالية بأسوأ أشكالها.

بعد أسبوع من بدء التظاهرات في الشهر الثالث 2011، وفيما كان السوريون من كل الطوائف والأديان والمنابت الطبقية يتظاهرون مطالبين بـ (بعض) الحرية والكرامة، وقبل مطالبتهم بإسقاط النظام أو بالتغيير السياسي، فاجأت بثينة شعبان مستشارة الأسد السوريين بتصريح سريالي لم يكن ليخطر على بال أحد، وقالت إن ما يجري في سورية “هو مشروع فتنة طائفية”، وكان تصريحها هذا بمثابة إذن لمؤيدي النظام للتعامل مع الأزمة من منطلق طائفي، بعد ذلك، وفي الشهر الخامس، قالت أيضاً “إن الأخطر قد مرّ وأصبح وراءنا، وسيطرنا على كل شيء، وسنحاسب من تسببوا به”، وهذا التصريح السريالي مرّ عليه الآن 58 شهراً، وهناك الكثير من هذه النوعية من التصريحات.

سريالية وزير الخارجية وليد المعلم تحتاج لمقال مستقل، بدءاً من شطبه أوربا من الخارطة بعد ثلاثة أشهر من بدء الثورة حين قال “سننسى أن هناك أوربا على الخارطة” رغم أنه زارها غير مرة بعد ذلك، وتأكيده بعد ذلك على أن سورية “ستُقدّم دروساً في الديمقراطية!!!!” ـ إشارات التعجب لي وليست له ـ وقوله أيضاً “إن سورية ستدافع عن سيادتها ولن تسمح لأحد بدخول أراضيها” وهو ما نفّذه النظام حرفياً باستثناء سماحه للإيرانيين والروس واللبنانيين والعراقيين والأفغان وبعضاً من الحوثيين بانتهاك السيادة، ثم قوله أيضاً “لا وجود لنفوذ إيراني أو روسي في سورية والنفوذ فقط للشعب السوري”، وكذلك تأكيده على أن “واشنطن تُنسّق مع النظام”، وغيرها الكثير من التصريحات فوق السريالية.

في مقابلات وخطب متعددة خلال الأربع سنوات الماضية، طرح الرئيس السوري الكثير من الأفكار الذي قالت عنها المعارضة السورية إنها سريالية أو بدقة (منفصلة عن الواقع)، منها قوله “هناك من يتقاضى أموالاً ليخرج في تظاهرات” و”هناك شباب بسن المراهقين أعطوا ألفي ليرة لقتل كل شخص”، لكن أكثرها غرابة ما قاله في الشهر الرابع 2014، “نحن أمام عشرات الآلاف من الإرهابيين السوريين (وصف يُطلقه على مقاتلي المعارضة)، وخلف هؤلاء هناك حاضنة اجتماعية… يعني نتحدث عن مئات الآلاف وربما الملايين من السوريين” واضعاً ملايين السوريين (شعبه) دفعة واحدة في سلة الإرهاب، ثم عاد بعد سنة ونصف تماماً لينفي تصريحه وقال “إن تنظيم الدولة الإسلامية ليس له حاضنة في سورية”.

في نفس هذا السياق، يمكن استذكار مفتي الجمهورية أحمد بدر حسون الذي قال مرّة “أقسم لكم بالله أنني لو عرفت أن بشار الأسد أمر بقصف المدنيين لوقفت في وجهه”، وقوله أن “الرئيس حافظ الأسد مات ولم يملك سوى بيتاً في القرداحة…. وبشار الأسد لا يملك شيئاً”، وكذلك صدمة وزير الإعلام عمران الزعبي من قمع تركيا لبعض اتظاهرات السلمية وقوله “إنه أمر غير واقعي” متناسياً كيف فرّق نظامه تظاهرات السوريين، وبالعودة للبدء يمكن استرجاع رد الجعفري على سؤال حول صور الـ 11 ألف معتقل ماتوا تحت التعذيب في سجون النظام حين قال “إنها أخطاء فردية”.

من السهولة بمكان استعراض صفحات من أقوال المسؤولين السوريين ممن يُشكّلون أعمدة النظام، لكن بما أن البعض يحلّ محل الكل، كافية هذه العيّنة من تصريحات رجالات السلطة في سورية، صغيرهم وكبيرهم، بسرياليتهم أو ما تقول عنه المعارضة السورية انفصال عن الواقع أو مكابرة أو جهل أو قصر نظر، ويمكن للسوريين أن يتوقعوا بسهولة النتائج التي يمكن أن تتمخض عن مفاوضات جنيف مع مثل هؤلاء الرجالات.

المصدر: المدن

8 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *