تساؤلات الصراع السوري بعد سنواته الخمس


أكرم البني

هي خمسة أعوام مضت منذ انطلاق الحراك السلمي المطالب بالتغيير الديموقراطي، وهو مشهد خراب وضحايا ومشردين يدمي القلوب نتيجة عنف منفلت لم يقف عند حدود. وهي تساؤلات يثيرها السوريون بلوعة وألم في محاولة لفهم ما جرى، ومعرفة الأسباب التي أوصلتهم إلى ما هم فيه.

لماذا غاب الوجه السياسي للصراع وبدا خيار العنف كأنه قدر لا مهرب منه، هل يعود الأمر إلى طبيعة النظام الحاكم وإدمانه خيار القوة والقمع لفرض سيطرته وتقصده تالياً تشويه طابع الحراك السلمي وجره إلى ميدان السلاح؟! أم ثمة أخطاء ارتكبتها قوى التغيير سهلت الانزلاق نحو العسكرة، ربطاً بغلبة ردود الفعل الشعبية العفوية وضعف المعارضة السياسية واندفاعها للرهان على تحقيق انتصار سريع تيمناً بما حصل في تونس ومصر، أو عبر تدخل خارجي حاسم كالمثال الليبي؟! أم يعود السبب إلى تنامي دور القوى الجهادية التي وجدت في مناخ الصراع السوري فرصة سانحة لوضع أجندتها موضع التنفيذ؟! أم إلى تقدم مصالح اقليمية وعالمية يهمها تسعير العنف الداخلي وجر البلاد إلى أتون حرب أهلية تستنزف طاقاتها وتجعلها عبرة لكل شعب يتطلع لنيل حقوقه؟! أم ربما يكمن الجواب الصحيح في العوامل السابقة كافة، تحدوها سيادة ثقافة تستند الى إيديولوجيات «مقدسة» تعمم روح الإلغاء وتنكر حق الاختلاف وتبيح تلقائياً ممارسة العنف ضد الرأي الآخر لإقصاء دوره في السياسة وفي الحياة.

وحين تفوق ردود أفعال النظام العنيفة توقعات الناس البسطاء الذين نهضوا يطالبون بحقوقهم في الحرية والكرامة، فماذا عن توقعات المعارضة السياسية التي خبرته جيداً، وما درجة المسؤولية التي تتحملها في استسلامها المبكر للتحولات التي جرت نحو العسكرة والتغني بالدور المتنامي لحملة السلاح؟! وتالياً ألا يصح اعتبار العفوية الشعبية التي وقعت في فخ العسكرة، هي ذاتها التي تقوم اليوم بمراجعة ما حدث لتبرز من جديد أهمية النضال السلمي في تحصيل حقوقها، والدليل استثمار الهدوء النسبي الذي تخلفه الهدنة القائمة على هشاشتها، لإحياء التظاهرات السلمية والشعارات الوطنية، الأمر الذي فاجأ الجميع، وأربك ليس النظام فقط، وإنما أيضاً الجماعات الاسلاموية المسلحة التي لجأت لاعتقال وتغييب الناشطين الذين يشجعون هذا الخيار؟!

ثمة تساؤلات ترجو إجابات لتفسير هذا الــتدهور الوطني وانتقال الصراع السوري من مجــــرد ثورة محلية بين المطالبين بالتغيير وحـــماة الوضع القائم إلى مسرح للتدخلات الــخارجية. هل يتعلق الأمر بموقع سورية الاستراتيجي، الى جوار إسرائيل ومنابع النفط، ما جعلها ميداناً لصراعات لا تنتهي على الهيمنة والنفوذ؟! أم بانتمائها إلى محور نفوذ، واستهدافها بتناغم أو تواطؤ دولي تقصد تغذية الصراعات فيها وإطـــالة أمدها لإشغال قوى هذا المحور وإنهاك مقدرات بلد نما دوره الإقليمي وتضخم وغدا مؤثراً على أهم الملفات الشائكة في المنطقة؟! أم بسبب استسهال أطراف الصـراع الداخلي استجرار المساندة والدعم الخارجيين، بداية بغرض تسريع الحسم، ثم لتعزيز الحضور وتعديل توازنات القوى وتعويض ما استنزفته سنوات الصراع؟!

وأيضاً ثمة تساؤلات لا تزال تشغل بال السوريين ليس فقط إن كان الخارج قد اكتفى بهذا لخراب وباتت مصالحه تتطلب اليوم إخماد هذه البؤرة من التوتر، بل حول أسباب التطور الغريب للتيارات الاسلاموية المتطرفة، كتنظيم داعش وأشباهه، والتي اقتحمت المشهد السوري وفرضت حضورها وأجندتها بسرعة لافتة؟ هل السبب لأنها بالفعل صنيعة غربية أميركية؟ أم كونها أداة خلقتها تركيا لتحسين أوراقها ومحاصرة الطموح القومي الكردي؟ أم هي سلاح استخدمه النظام السوري وإيران لإثارة الفوبيا الغربية من الجهادية المتشددة وتشجيع القبول بهما كأهون الشرور؟ أم الأمر يتعلق بضعف المعارضة السياسية وتشتتها وعجز قوى التغيير الوطنية عموماً عن كسب ثقة الناس والتقاط زمام المبادرة لقيادة مسار التحول الديموقراطي؟ أم بتفاقم الصراع المذهبي البغيض في المنطقة مع انسداد أفق السياسة وتقدم منطق القوة والغلبة متوسلاً ما يسمى المظلومية السنية؟!

وإذا كان أمراً مفسراً أن يفضي تردي حياة المسلمين وتعرضهم للتمييز والحرمان كما لنزعات الاستفزاز والاستخفاف الطائفيين، الى اتساع الفئات المهمشة والمحتقنة مذهبياً، وتوفير تربة خصبة تمد الجهاديين بأسباب النمو والتجدد، فهل يصح الاستسلام لهذا الواقع المريض؟! وكيف يمكن لأكثرية مظلومة قومية كانت أم دينية، أن تنتصر لحقوقها وتسترد دورها في المشاركة وقيادة المجتمع إن غرقت في خصوصيتها، ولم تتنطح للدفاع عن مصالح الناس العامة، وعن أوطان ديموقراطية تضمن للجميع حقوقهم من دون تمييز؟!

بديهي أن طول أمد الصراع ووجهه العنيف أفرغا من أحشاء المجتمع أسوأ مظاهر التفكك والحقد والبغضاء، لكن هل ساهم الحقد يوماً في بناء الأمم وخلاص الشعوب؟ أولم يكن التنابذ والإقصاء من أهم أسباب انحدار القيم الأخلاقية وتسويغ مختلف أساليب الفتك والتنكيل ودفع المجتمعات إلى انهيارات عامة ومروعة؟!

والبديهي أيضاً أن تداعيات ثورات الربيع العربي وثمارها لا تقتصر على الوجه السياسي ومجرد تغيير أنظمة الحكم القائمة، وإنما امتدت لتؤسس وعياً جديداً وتبدلات في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والفكرية والأخلاقية، لعل أهمها إدراك الشعوب لمسؤوليتها الجسيمة في دوام الوصاية والاستبداد وأن ما من سبب يجب أن يؤجل مواجهتهما وإعلان قطيعة نهائية مع منظومة القهر والخوف والتمييز.

والحال، إن استمرار هذا الخراب وما يشبه حرب الجميع على الجميع، وانحسار حراك الناس والتفافها حول شعارات الحرية والعدالة والكرامة، لا يلغي مشروعية خيار التغيير الديموقراطي، تاريخياً وسياسياً وأخلاقياً، بل يؤكده مظهراً المعوقات والصعوبات التي تعترضه، وتنوع الأعداء الذين وقفوا ويقفون بالمرصاد لمنع السوريين من نيل حقوقهم، وليس في طرح ما سبق من تساؤلات سوى محاولة للتمعن بما جرى واستخلاص الدروس والعبر، عساها تنأى بخيار الخلاص والتغيير بعيداً من الأخطاء التي دفع ثمنها باهظاً.

المصدر: الحياة

19 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *