طيف أبيض


مروان زكريا

 

 

 

سألني صديق منذ أيام عن أكثر أيام حياتي أهميةً، في محاولة لتطبيق منهج مجرَّب بهدف إخراجي من حالة القنوط التي كنت فيها. كان ذلك قبيل المظاهرات الأخيرة التي خرجت ضد الأسد في سوريا. لم تتردد ذاكرتي لحظةً في استدعاء ذلك اليوم الذي خرجتُ فيه بغير خوف لالتحق بأصدقاء من الشباب وربما أفعل شيئاً لم أفعله من قبل. دون تردد، أخذتني الذاكرة إلى الخامس والعشرين من آذار عام 2011.

من مشروع دمّر إلى مقهى الروضة في شارع العابد، لا يبدو للبشر وجود واضح، ربما لأن أكثرهم كان في الجوامع يؤدي صلاة الجمعة. شوارع دمشق خالية، والمدينة ساكنة سكون الأشباح، لكن رائحةً مختلفة كانت تملأ الهواء. كان للسماء لون مختلف، ولانعكاس الشمس على النوافذ بريقٌ مختلف. كان ثمّة هالةٌ غامضة تلف العاصمة كلّها. ورغم صغر المدينة الذي لن تدرِكه إلا نادراً، حين تخلو شوارعها، عبرتُ طريقاً طويلاً من الأحلام والذكريات، وكذلك: الرصد. كنت أفهم لأول مرة كم هي جميلة تلك المدينة التي طالما تذمّرنا منها، من ازدحام شوارعها وتلوّث هوائها، وفساد دوائرها الحكومية، وبائعيها وحتى بعض أهلها.

جلس في المقهى ثلاثة من الأصدقاء وصحفي، لم أكن أعرفه حينها، كان يصمت – كلّما اقترب نادل المقهى منّا – ويفهمنا بنظرته أنه لا يجوز الحديث أمام “هؤلاء”، رأى ذاك النادل شفاهنا تتحرك، لكن لم تصله أي من همساتنا أثناء تنقّله الاعتيادي، فجلس في طاولة قريبة يحدّق فينا واحداً بعد الآخر. أدركت حينها أن الصحفي محق في شكوكه، وأنه لا يمكن لنادل أن يتصرف بتلك الوقاحة ما لم يكن متعاملاً مع المخابرات.

حتى تلك الكلمة السورية المرعبة “مخابرات” لم تكن بذات نفس الذعر في ذلك اليوم، وكان همسنا حَذَراً وحماية لأنفسنا ورفاقنا أكثر منه خوفاً، وحين أن أخبرنا خامسنا، كاتب وشاعر مرهف، أن “عناصر الأمن” تحاصر المكان، دار جدال بيننا أنكتفي بالاجتماع هذا، أو ربما نلحقه بجلسة جماعية في شقّة قريبة من المقهى؟ أم نغير مكاننا إلى مقهى النوفرة قرب الأمويّ وحيث جماعة من الشباب قد يتظاهرون بعد إنهاء صلاة الجمعة. وكان الأخير قرارنا، وسرنا مثنى مثنى كي لا نكسر القاعدة “الأمنية” التي تعتبر أي تجمّع يزيد عن شخصين مشبوهاً.

كان كل ذاك الصمت والكُمون كالهدوء الذي يسبق العاصفة، كالقشرة الهشّة تنتظر التحطّم دفعة واحدة. ومثلها كان فساد المدينة وتلوّث هوائها، قشرةً ميتة تخبّئ وراءها كياناً مشرقاً يضج بالحياة. ولئن عشقت المشي في الشام القديمة وأزقتها الضيقة، لم يكن لتلك التمشية في الشوارع وهي فارغة شبيه يسبقها، كانت الأجمل والأبهى. ظلّ السكون سيّداً حتى وصلنا إلى مقهى النوفرة، وجلسنا نتناول الشاي بقرب سائحين.

لم يطل هدوء جلستنا حتى رأينا الأحذية تتطاير من داخل الجامع الأموي، وعلامات معركة بالأيدي – وربما العصي – داخل الجامع، كان الهتاف الهادر: “الله، سوريا… ” ثم تختلط كلمتان متناقضتان معاً: “بشار” و”حرية”. حاول المخبرون التغطية على الهتاف بصراخ كلمة “بشار” عند قول الهاتفين: “حرية”. هدأ العراك لحظة خروج الناس من الجامع، في ذلك الوقت كان لازال للـ”عالم” و”الكاميرات” و”الإعلام” بعض الهيبة، وكان المخبرون يخشون الكاميرا أكثر من أي شيء، وكانوا يخشون ترصُّد آلاف الكاميرات التي على شكل هواتف محمولة في أيدي المتفرجين والسائحين بهم. اندسوا بين المتظاهرين وصمتوا حتى وصلنا إلى شارع الثورة.

سبق التحاقنا بذاك الجمع بعضُ التردد، هل سنُحسبُ على الإسلاميين إن سرنا مع المصلّين؟ هل سيتبع ذلك اعتقالنا وتعذيبنا؟ أليس من الحكمة الانتظار لنرى ما سيحدث أولاً؟ لكن جسدي كان أخف من أن ينتظر الجدال المنطقي والحسابات “الواقعية”، وربما أصف ولا أستخدم مجازاً بقولي: كنتُ روحاً بلا جسد في تلك اللحظة. سبقت خطوات أقدامنا اللاحقة بالهاتفين أي قرار “منطقي”. تحول الهتاف إلى ما يشبه الغناء، حين رُفعَ أحدُ الشباب على كتفي صاحبه. لم أعرف اسمه، ولن أعرفه أبداً، فأسميتُه “أبيض”. كان ناصع الروح مضيء الوجه، ولصوته هدير حنون، يخاطب القلب دون حاجز، سمّى البطولات السورية في هتافاته، هتف للحرية ووحدة حال السوريين، “الشعب السوري كلّه واحد” هدر، وردد وراءه الجميع، كنتُ مكتوم الصوت حين لفّ أبيضُ وجهه نحوي وردّد “الشعب السوري كلّه واحد”. ثمّ … “الشّامي والدّرعاوي واحد”. حدّق بي ومنع صاحبه الذي همّ بالالتفاف إلى الأمام مرة أخرى، وثبت في مكانه يراقبني وينظر مباشرة إلى عيني، ويعيد: “الشامي والدرعاوي واحد”، اخترقت عينا أبيض قلبي، لم أعرف ما أفعل، يريدني أن أهتف لكن صوتي مكتوم بلا سبب أعرفه. ابتسمتُ له فابتسم أخيراً، وأغمض عينيه لحظة رضىً وسمح لصاحبه بلفّه. أهمل أبيض كما بقية السائرين صورة قبيحة للطاغية حملها أحد المخبرين، وظل يهتف لا يثنيه شيء.

دام السيرُ بضع دقائق، في ذاكرتي كانت بضع سنوات، وظل وجه أبيض يرافقني في تلك السنوات وإلى أخرى تلتها. طالت سنوات المسير حتى ظننت أن هالة دمشق المضيئة حمتنا من بطش المجرمين، لكنها أظلمت، وبدأ أولئك الأموات الأحياء، بضرب واعتقال الجميع – باستثنائي واثنين آخرين – عند وصولنا إلى شارع الثورة، تجمّدت لثوانٍ طويلة، ولم أخش الضرب حينها، لكن المنطق عاد ليقول: “ارجع، لا نتيجة من بقائك”. ركب ثلاثتنا في سيارة الأجرة ناجين وحدنا من الضرب والاعتقال، كان سلوكهم حينها في بدايته وفي أخف درجاته: ضرب مبرح واعتقال فقط، وبعد أمتار توقف سائق السيارة الذي كان علينا الحذر منه بطبيعة الحال، نظرت إلى عينيه الدامعتين أسأله: لمَ توقفت؟ قال: “إنه يموت، يضربونه حتى الموت!”. التفتُّ إلى الجانب الذي نظر إليه لأجد وجه أبيض دامياً تدوسه أكثر من عشرة أحذية عسكرية، ثم يمسك أحدهم برأسه ليضربه بجدار محاذ. لم يصرخ أبيض، أغمض عينيه كي لا يفقدهما، أو ربما لأنه فقد وعيه. تعلقت عيناي به، “ما الذي يمكنني فعله لك يا أبيض؟” وبقي السؤالُ معلَّقاً حتى توارينا والسيارة المهرعة إلى سرداب الشوارع الفارغة. وإنْ كان جسدي قد نجا يومها، لم أشعر بالنجاة أو الراحة، وظل طيفُ “أبيض” يطاردني سنين طويلة طويلة.

لاحظ صاحبي غرقي في الذاكرة، وبعد أن طال صمتي سألني: “وهل تظن أن الناس في بلادك ستخرج إلى التظاهر مجدداً بعد الاتفاق الأخير؟” .

  • “تقصد وقف إطلاق النار؟ لا أمل من ذلك، كل ذاك التخاذل والاشتراك في الجريمة كان لوأد مجرّد التفكير في الخروج مجدداً، لم يكونوا ليتفقوا لولا تأكدهم من تدمير آخر معقل يحتمل خروج أحد منه. لو حدث هذا الاتفاق منذ ثلاث سنوات لرأيت أهل سوريا كلهم في الشوارع حينها، ولكن ليس الآن”

خرجت المظاهرات الأخيرة في الصباح التالي لتلك المحادثة، وكثرت وجهات النظر حولها، قال بعض اليائسين: هو تثبيت لحالة من الأمل باتت وهماً، ورأى آخرون فيها رسالة إلى الطاغية ألّا يحلم بالحكم أو حتى البقاء في البلد التي اقترف فيها ما اقترف، وكانت صدمةً لي، وربما لكثير مثلي، رأباً لصدعٍ حدث في الذاكرة، ودواءً لانفصام حدث بين الماضي والحاضر، وصفعة تريد إيقاظنا من سباتنا الأخير. خرجت عشرات التظاهرات لتخبرنا أن تلك الثورة، أو لأقل: هذه الثورة، حيّة ما دامت الحياة قائمة، وأن لا مناص لنا من الالتزام بها، بضميرنا، وبذاكرتنا وبعناد أهلنا هناك.

 

 

خاص بحزب الجمهورية

290 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *