الثورة السورية العظيمة… انتصارات جديدة


فادي كحلوس

 

 

ثمة انتصارات عديدة ذات أبعاد استراتيجية حققتها الثورة السورية بدءً من انطلاقتها ووصولاً إلى ختام عامها الخامس، وحين نقول استراتيجية فإننا نعي ونعني أهمية تلك الانتصارات راهناً ومستقبلاً، فكسر حاجز الخوف والذي أعلنه الهتاف الأول في الثورة قد أعلن وحقق قطيعة نهائية مع نماذج الاستبداد والاجرام السلطوي و ما يلف لفيفه، مروراً بتعرية داعمي المنظومات الشمولية سواء أكانت على شكل حكومات أم جماعات تنهل من التطرف وتتغذى من مشارب تتقاطع مع اللاوطنية سواء كأفكار أو كممارسات تنحو نحو إعادة انتاج أنظمة شمولية وبأدوات قمعية متشابهة ، وصولاً إلى تعرية تيارات إسلامية  تلهث وراء السلطة على حساب أي شيء.

إن التعامل الأمثل مع الفصائل الإسلامية هو باعتبارها فصيل يسعى نحو السلطة أي أن الصراع معها هو صراع سياسي وليس ديني، مهما حاولت تلك الفصائل تمويه صراعها المزعوم برايات دينية برّاقة، أو شعارات سماوية تريد بها حجب غاياتها الدنيوية والمتمحورة حول السلطة والحكم .

وما شهدته تلك الفصائل من قفز فوق ثوابتها ومبادئها لهو خير دليل على إمكانية التفريط بأي مقدس مقابل غاياتها السياسية، فما اعتبره البعض في هذه التغييرات فناً للممكن أو كما فسره البعض الآخر على أنه تطور في الفكر وتخلٍ تدريجي عن الراديكالية وتبنٍ للمرونة في التعامل مع المنهج، لا يبرّء جوع تلك الفصائل الى السلطة، بل إن حجم ونوع ما تم تجاوزه والقفز من فوقه لهو انعكاس لحجم ونوع شهية تلك الفصائل المكبوتة نحو الوصول الى السلطة.  وهذا ما سيوضح لنا أيضاً بأن ما تم طرحه من مقدسات ومعتقدات راديكالية تم تسويقها وترديدها وممارستها لأعوام ليس سوى أدوات تسويقية مؤقتة قابلة لأن تمحى في أي لحظة تستدعي ذلك، ومن السهل تبرير ذلك القفز والتخلي بمقدار سهولة إحلال شعارات وأدوات ” مرنة ” تناسب المرحلة الجديدة.

 

فمن قال بأن ” الديمقراطية تحت أقدامي هذه ” ما لبث أن تراجع من دون أدنى شعور بالخجل وبرر تراجعه بأن  تصريحاته تلك هي محض خطاب للتحشيد الجبهوي وهو خطاب للداخل فقط. واليوم نرى القفز ذاته ولكن من ” جبهة النصرة ” فهي التي كفّرت أيضاً من يرفع علم الثورة وهي من حاول قمع المظاهرات المطالبة باسقاط النظام وهي ذاتها التي تلهث اليوم وراء تقديم مبررات مع اعتذارات مبطنة من تلك السلوكيات وغيرها مما اقترقتها ايدها على مدار أعوام ، بل حاولت المزاودة أيضاً حين أدّعت بأن الثورة ومظاهراتها وحراكها السلمي هي علّة وجودها ، وأيضاً ودون خجل بعد أن فشلت فشلاً ذريعا في قمع هذا الحراك وبعد انتفاض المدنيين في وجهها مهددين وجودها المباشر، لتتخلى ” النصرة ” وبشكل مفاجئ عن سوادها مقابل مغازلة علم الثورة رغم عدم مضي وقت طويل على دوسه بأقدامهما وإعلانه راية للكفرة.

 

وان ما يدعم وجهة النظر القائلة بعدم جوهرية هذا التغيير وتحجيمه بحجمه الحقيقي على أنه خداع بهدف التسويق لهو تناول واقع هذه الفصائل من كونها فصائل ذات مرجعية مركزية واحدة رغم اختلاف انتشارها الجغرافي. فالقاعدة في سورية هي ذاتها قاعدة أفغانستان وما نراه تغييراً في سورية لم يواكبه أي تغيير في جغرافيا أخرى .

إن الثابت في خضم هذه المتغيرات هو روح الثورة الأولى والتي استعادت رونقها بعد ان انقشعت غيوم السواد من سمائها وبعد أن انكسرت حدة العنف المطبق في حقها ما بين براميل الأسد وأجندات الرايات السوداء . نعم لقد نجحت أصالة الثورة في إعادة ابراز ملامحها رغم المحاولات العديدة والمتعددة لطمسها، مضيفة انتصاراً جديداً تمثل في اخضاع كل من حاول استثمارها لغياته الضيقة الى مركزيتها المبدئية، فعامل التلويح بعصا تصنيف الإرهاب هو عامل هش أمام جذرية الحراك الثوري السلمي وهذا الأخير هو من أرغم كل الفصائل على الانصياع لمبادئها المحقة وغاياتها السامية والمشروعة، والتي اكتفت بتقديم قرابين للحرية من شهداء ومعتقلين ومصابين ومهجرين بدل تقديم تنازلات في سبيل السلطة. انتصار إضافي دٌفع ثمنه باهظاً جداً . وعليه، فإذا ما سئلت عن العظمة فأجب: إنها الثورة السورية.

 

 

94 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *