القرار الروسي بالانسحاب التدريجي: خلفياته, أسبابه ودوافعه


  سنحريب ميرو

 

 

 

أعتقد انه الجميع متفقون على أن قرار التدخل لم يكن استناداً إلى الاهتمام بمصالح الاسد بل تبعاً للمصالح الروسية أولاً، وبالدرجة نفسها سيكون قرار الانسحاب. ولقراءة قرار الانسحاب لا بد من العودة إلى خلفيات ودوافع قرار التدخل:

 

1 – حماية قاعدة طرطوس والتي تعتبر آخر معاقل الأسطول الروسي على البحر الأبيض المتوسط بعد خسارته لحرية التحرك في الموانىء الليبية والعراقية.

2 – العقود والاتفاقيات التي أبرمتها روسيا الاتحادية مع النظام السوري في العقديين الاخيريين وخاصة فيما يتعلق منها بالنفط والغاز، إضافة إلى ضمان تسديد الديون السورية المتراكمة.

3 – الصراع على مصادر الطاقة والنفط والتحكم بطرق إمداداتها وأسعارها. ويُعدُّ الغاز المصدر الأول للطاقة في القرن 21، وقد كشفت مصادر الأبحاث والتنقيب عن احتياطي كبير للغاز في المياه الإقليمية السورية.

4 – الاستفادة من تحالفها مع إيران، وعودة تحالفها مع العراق، بما يعني إستعادة موقعها في الشرق الأوسط عبر سوريا.

5 – كسب شعبية داخلية لبوتن تحت شعار محاربة الارهاب, شعبية زادت مع تدخله في أوكرانيا وبدأت بالتراجع مع العقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب على روسيا ومع تدهور اسعار النفط.

6 – محاولة إجراء توافقات مع أمريكا والغرب وخاصة في اوكرانيا والعقوبات الاقتصادية ونضيف رد الفعل الروسي على المحاولات الغربية في حصار روسيا من خلال دول الجوار.

7 – العودة إلى المسرح الدولي عبر البوابة السورية.

في الخلاصة: الحفاظ على المصالح الاقتصادية والسياسية لروسيا الاتحادية هو المحرك الأساسي للتدخل في سوريا, لذلك كان الهدف المباشر من التدخل عدم سقوط النظام ومنع إقامة منطقة عازلة وفق الرغبة التركية لأن سقوط النظام المفاجىء من دون ترتيبات سياسية وإقامة المنطقة العازلة يعني معطيات لا تناسب ولا تخدم المصالح الروسية.

 

قرار الانسحاب:

1 – العوامل والأسباب نفسها التي كانت وراء قرار التدخل, لا تسمح بتدخل طويل الأمد في سوريا وتحول سوريا إلى أفغانستان جديدة. . لا تستطيع روسيا تحمل تكاليفها البشرية والعسكرية والاقتصادية، ولعل أحد اسباب غض نظر الغرب على التدخل الروسي هو توريطها وإضعافها. إضافة إلى أن التدخل طويل الأمد في سوريا قد يصعد من مشاعر العداء السني تجاهها، وقد يمتد تأثيير ذلك على شعوب ودول آسيا الوسطى.

2 – نستطيع القول إن الغاية المباشرة للتدخل حسب المصلحة الروسية قد حققت أهدافها: عدم سقوط النظام وعدم اقامة منطقة عازلة واعتقد ان لحظة اتخاذ قرار الهدنة من الجانب الروسي كان بمثابة العد العكسي عند الروس للانسحاب, فهم حافظوا على عدم سقوط النظام بتدخلهم، وبالهدنة سيحافظون على استمراره لفترة أخرى بدون تكاليف التدخل.

3 – إن قرار الانسحاب كما هو قرار التدخل هو رغبة روسية للحفاظ على مصالحها في سوريا والضغط على جميع الأطراف لقبول الدور الروسي والاعتراف بمصالحه السياسية والاقتصادية في سوريا ويمكن القول إن قرار التدخل كان ضغط على المعارضة وقرار الانسحاب الضغط على النظام.

4 – أعتقد أن التصرف الروسي, القرار الروسي, كان مفاجئاً للأمريكان, ولاقى قبولاً من المعارضة ومن تركيا والسعودية، وهو يفسح لروسيا المجال للمشاركة والتأثيير بفاعلية في مجرى العملية السياسية, إذ ستكون هناك حاجة لروسيا في كل جولة من جولات جنيف.

5 – ظهرت محاولات لدى النظام السوري لاستثمار التدخل الروسي، وهذا ما ظهر في إعلان النظام عن إجراء انتخابات لمجلس الشعب في نيسان المقبل، وتصريح وليد المعلم أن الأسد خط أحمر, وروسيا لا تسمح باستثمار تدخلها خارج رؤيتها ومصالحها.

6 – يدرك الروس وعلى الرغم من تدخلهم الكثييف في الآونة الأخيرة أن النظام لا يستطيع مجدداً فرض سيطرته على كامل الأراضي السورية، لذلك يحاول الروس الدخول إلى جميع الأطراف السورية ليكون لهم دور مؤثر وفاعل يخدم استمرار تواجدهم الاقتصادي والسياسي في المرحلة المقبلة، وهذا ما ظهر خلال محاولتهم خلق تيار ثالث ليشارك في جنيف ومحاولتهم التواصل المباشر مع فصائل المعارضة العسكرية، إضافة إلى محاولتهم التقرب من الطيف الكردي عبر عدة مؤشرات وتلميحات.

7 – أعتقد أن روسيا من خلال قرار التدخل وقرار الانسحاب وضغطها على جميع الأطراف السورية ستملك القدرة على إدارة عملية توافقاتها مع الجانب الأمريكي الغربي من جهة ومع عدة أطراف إقليمية من جهة أخرى، خاصة تركيا والسعودية.

وقد تكون رسالة التعزية التي أرسلها بوتين لنظيره التركي تنديداً بعملية حزب العمال الكردستاني الأخيرة، إضافة إلى اجتماع وزراء النفط الروسي الفنزويلي السعودي القطري، والذي تمخضت عنه اتفاقيات تساعد على رفع أسعار النفط, قد تأتي كلها في خدمة اتجاه ومسار القرار الروسي بانسحاب القوات.

 

أخيراً: إن كل قرار تتخذه الدول الكبرى المؤثرة على الوضع السوري له تداعيات، منها ما هو إيجابي، ومنها ما هو سلبي, ومن الضروري الاستفادة من القرار الروسي بالانسحاب من خلال قراءة العوامل والدوافع التي أدت إلى اتخاذ القرار, كما أسلفت سابقاً, لنسلطيع التعاطي معه. . مع تداعياته ونتائجه. . ولنأخذ في الحسبان أن ما يهم روسيا بالدرجة الأولى هو الحفاظ على مصالحها في سوريا، وليس الحفاظ على رأس النظام، وأعتقد أنهم تعلموا من الدرس الليبي والعراقي.

حان الأوان لاستخلاص العبر من قرار التدخل وقرار الانسحاب ووضع رؤية استراتيجية للتعامل مع الروس، فليس من مصلحة المعارضة وضع كل البيض في سلة واحدة.

 

110 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *