تحركات ما بعد جنيف: تفاهمات “الثماني ساعات” تقلق المعارضة


أمين محمد

لم تكد تنتهي الجولة الثانية من محادثات جنيف بين وفدي المعارضة السورية والنظام برعاية أممية، حتى بدأت تتضح معالم المرحلة المقبلة، في ظل التفاهمات الأميركية الروسية التي نتجت عن لقاءي وزير الخارجية الأميركي جون كيري في موسكو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف، إنْ لجهة التفاهمات السياسية، أو التوجهات العسكرية باستهداف “التنظيمات الإرهابية” في سورية وعلى رأسها تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، وهي السياسة التي تتابعت بإعلان الولايات المتحدة عن قتل الرجل الثاني في “داعش” عبد الرحمن القادولي كما أعلنت واشنطن أمس على لسان وزير الدفاع، آشتون كارتر، الذي لخص جزءاً من الاستراتيجية العسكرية الأميركية في سورية بالقول “نصفي بشكل منهجي قادة تنظيم الدولة الإسلامية، وقام الجيش الأميركي بقتل عدة إرهابيين بارزين هذا الأسبوع بينهم، كما نعتقد القادولي، الذي كان من القادة الرئيسيين، وتولى وزارة المالية والمسؤول عن العديد من المؤامرات الخارجية”.
أما سياسياً، فبدا واضحاً أن لقاءي كيري مع بوتين ولافروف اللذين داما 8 ساعات، أول من أمس الخميس، قد أنتجا تفاهمات في ما يتعلق بالجولة المقبلة من مفاوضات جنيف، المرجح انعقادها بدءاً من 9 أبريل/نيسان المقبل وكحد أقصى في 11 أبريل، بما في ذلك الضغط باتجاه إجراء “مفاوضات مباشرة”، لتنتج عن ذلك إشارات بأن الجولة المقبلة من المحادثات ستكون من جزأين. الجزء الأول محادثات غير مباشرة، بين المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا والمعارضة السورية من جهة، وبين دي ميستورا ووفد النظام من جهة أخرى، وخصوصاً أنه يتوقع وصول وفد المعارضة أولاً، بينما ترجح المعطيات ألا يصل وفد النظام إلا بعد 13 أبريل/نيسان المقبل، موعد إجراء الانتخابات.
في غضون ذلك، لا تخفي المعارضة بعض الهواجس حول المرحلة المقبلة، خصوصاً بعد وثيقة المبادئ التي قدّمها المبعوث الأممي وفيها أمور غير واضحة. وجاءت تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، أمس الجمعة، بأن واشنطن تفهّمت موقف موسكو بأن مستقبل رئيس النظام السوري بشار الأسد “يجب ألا يبحث في الوقت الراهن”، وأن خيار سحب قوات سلاح الجو الروسي بالكامل من سورية غير وارد بتاتاً، لتزيد من هواجس المعارضة التي تطالب بهيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات وبعدم وجود دور للأسد في مستقبل سورية. أما النظام فبدت توجّهاته واضحة بتعطيل الوصول إلى حل يؤدي إلى انتقال سياسي في سورية، مع إصراره على إجراء الانتخابات البرلمانية التي حددها في 13 أبريل/ نيسان المقبل.

ولم تتأخر الانتقادات لوثيقة دي ميستورا، التي تتضمن ما يشبه “خارطة طريق” لحل سياسي مرتقب في سورية، والتي لم تشر بشكل واضح إلى مصير الأسد، أو تتطرق إلى “تشكيل هيئة حكم انتقالية”، بل تحدثت عن مبادئ عامة، مثل سيادة سورية غير المنقوصة على كافة الأراضي السورية، وإقامة نظام جديد على أساس دولة ديمقراطية غير طائفية، ورفض أي تدخّل خارجي بالشؤون السورية الداخلية.

ووصف القائد العام لحركة “أحرار الشام” الإسلامية أبو يحيى الحموي، وثيقة دي ميستورا بأنها “تهدر متطلبات الشعب وتعيد إنتاج النظام”، مشيراً عبر موقع “تويتر” إلى أن “الثورة بلغت رشدها ولن ترضى بأنصاف الحلول”، مضيفاً: “إما أن تكون الشام حرة أو نزول”، معرباً عن اعتقاده بأن “شعبنا العظيم لم يفوّض أحداً ليوقّع على استسلامه”، وفق تعبيره.

من جهتها، جددت المعارضة السورية تمسّكها بمنطلق الحل السياسي، وهو تشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات. وأكد المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات رياض نعسان آغا، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن وفد المعارضة أكد في رؤيته وعبر الوثائق التي قدّمها لدي ميستورا أن منطلق الحل السياسي هو تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة السلطات التنفيذية، طبقاً لقرار مجلس الأمن 2254 واستناداً إلى بيان جنيف، على ألا يكون للأسد وأركان حكمه وجميع من تلطخت أيديهم بدماء السوريين دور فيها، بدءاً من المرحلة الانتقالية التي تحدد جدولاً زمنياً وعملياً لإعداد دستور جديد وتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية على أسس الدستور الجديد، وتحت إشراف الأمم المتحدة ضمن أعلى درجات الشفافية والمعايير الدولية، خلال 18 شهراً من تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، ويشارك في هذه الانتخابات جميع السوريين والقادرين على المشاركة في مناطق الشتات.

ولفت نعسان آغا إلى أن وثائق المعارضة أوضحت أن هيئة الحكم الانتقالي “تتكفل بإيجاد بيئة آمنة ومحايدة خلال فترة الانتقال السياسي، وبتوطيد الأمن، والاستقرار والهدوء”، وأنها “تضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة، وإصلاحها وتقديم الخدمات للمواطنين وتلتزم بتوفير الحماية للممتلكات العامة والخاصة، وتضمن الامتثال الكامل لمبادئ حقوق الإنسان”. وأشار إلى أن وثيقة الهيئة أكدت التزام السوريين جميعاً بإعادة بناء الجيش الوطني على أسس وطنية مهنية، وإخراج جميع المقاتلين غير السوريين من مليشيات طائفية ومرتزقة، كما أكدت إلغاء كل الإجراءات القمعية التي مارسها نظام الأسد وحلفاؤه، لا سيما في با يتعلق بالتهجير القسري، وبإلغاء قرارات المحاكم العسكرية وأحكام الإعدام وإلغاء تصنيف المعارضين السياسيين والعسكريين في خانة الإرهاب، وستعتمد مبدأ المحاسبة ومكافحة الفساد، كما نصت الوثيقة على إطلاق سراح المعتقلين، وعلى الدعوة إلى مؤتمر للمانحين للبدء الفوري بإعادة الإعمار.

وأوضح أن وثائق المعارضة تضمنت في مقدماتها تأكيداً على احترام سيادة سورية وسلامة أراضيها، وعلى كونها جزءاً لا يتجزأ من أمتها العربية، وعلى مبادئ المساواة في السيادة وعدم التدخل طبقاً لميثاق الأمم المتحدة، ونصت على حق سورية باستعادة الجولان السوري المحتل بكل الوسائل المشروعة، وبعدم التنازل عن أي جزء من أراضيها الوطنية. وكررت المعارضة، وفق نعسان آغا، تمسّكها بوجود وفدين رسميين فقط في المحادثات هما وفد الهيئة العليا للمفاوضات ووفد النظام.

من جهته، قال كبير المفاوضين في وفد المعارضة محمد علوش، في تصريحات لـ”العربي الجديد”، إن الجولة الثانية من المحادثات التي اختتمت الخميس “لم تؤت ثمارها”، وأضاف: “لا يزال بشار الأسد يستخدم الطيران لقتل المدنيين، ويستخدم سلاح التجويع لتركيعهم وبمساندة روسية ولم يفرج عن أي معتقل”، مشيراً إلى أن الجولة الثانية كانت “ورقية فقط”. وأبدى علوش عدم ثقته بالموقف الروسي، مشيراً إلى أن موسكو طرف في المشكلة “حتى الآن”، طالباً من الشعب الروسي الضغط على رئيسه “ليقف مع الشعب السوري، وليس مع ديكتاتور قتل الأطفال، ودمر البلاد”، وفق قوله.

وحول إمكانية التفاوض المباشر مع وفد النظام، أكد علوش أن الأمر يُبحث بعد تنفيذ النظام للبنود 12 و13 و14 من القرار 2254. وهي البنود التي تدعو إلى فك الحصار عن المدن المحاصرة، وإطلاق المعتقلين، وإيصال المساعدات الإنسانية.

ولا يبدي مراقبون للمشهد السوري تفاؤلاً كبيراً بالجولة المقبلة من المحادثات، خصوصاً أن النظام ماضٍ في تجاهل استحقاقاتها، إذ ينوي تنظيم انتخابات برلمانية في 13 أبريل/ نيسان المقبل أثناء الجولة المقبلة من المحادثات، ومن المتوقع أن تهيمن “القائمة الوطنية” التي أعلنت عنها “القيادة القطرية لحزب البعث” على “مجلس الشعب” المقبل، والذي أعلن دي ميستورا في مؤتمر صحافي، الخميس، أنه لا يعنيه، ما يؤكد وفق المراقبين، أن النظام “يريد شراء الوقت، والمناورة للخروج من مأزق جنيف”.

وقال سفير الائتلاف الوطني السوري في روما، بسام العمادي، لـ”العربي الجديد”، إن الجولة التي اختُتمت “خطوة صغيرة في طريق تحديد جدول الأعمال، ولا يُعوّل عليها لنجاح المحادثات”، معرباً عن اعتقاده بأن النظام “لا يزال يراوغ”. ورأى العمادي أن دي ميستورا “يسعى بالفعل لتغيير سياسي، وإنْ لم يكن كما نتمناه، ولكن النظام سيُفشل كل محاولاته”. واعتبر العمادي أن النظام يسعى لكسب الوقت والتأجيل حتى ينفذ خطة يخرج بها من جنيف من خلال التفاوض مع ما يُسمّى بـ”معارضة الداخل” بعد قرار من مجلس الشعب التابع للنظام، بعدم الاعتراف بهيئة التفاوض، ووضع الثقة بمعارضة موسكو والقاهرة وحميميم، وفق العمادي.

من جهته، رأى الكاتب والمعارض صلاح بدر الدين، أن موافقة وفد الهيئة العليا للمفاوضات على “الحفاظ على مؤسسات الدولة، أي النظام”، بحسب اتفاق فيينا 2، تعني خروجه من إطار الثورة وأهدافها المعلنة وهي إسقاط النظام، وتفكيك سلطته، ومؤسساته، مضيفاً في حديث مع “العربي الجديد”: “من أجل الحفاظ على ماء وجه العديد من الأطراف الإقليمية والدولية، يتم التركيز على مبدأ إقرار عدم ترشيح رأس النظام لنفسه بعد عام ونصف من الآن، أي إظهار وكأن المشكل الأساسي في سورية هو بقاء أو عدم بقاء الأسد وليس نظامه الذي بُني خلال ستة عقود ويستند إلى قاعدة اقتصادية واجتماعية واستخباراتية وعسكرية”. ورأى بدر الدين أن الروس “مهّدوا السبيل عسكرياً وفي الميدان للإخلال بميزان القوى لصالح النظام”، معرباً عن اعتقاده بأنه “إذا لم تحصل مفاجآت من جانب الثوار، وإذا لم يتم تحقيق خطوات من قِبل الوطنيين الحريصين على الثورة باتجاه مؤتمر وطني سوري شامل مثلاً لإعادة بناء الثورة من جديد، فالوفد المفاوض باسم المعارضة وبدعم إقليمي سيستمر في طريق التفاهم مع النظام، وهذا ما يريده الروس والأميركيون”.

المصدر: العربي الجديد

3 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *