بشار الأسد في مقاولته الاقتصادية


عمر قدور

في حديثه إلى وكالتي الأنباء الروسيتين «سبوتنيك» و«ريانوفوستي»، المنشور نهاية آذار (مارس)، يعلن بشار الأسد كالعادة أنه باقٍ في السلطة، ولو أتى ذلك بأن يقرر سلفاً الشكل الذي ستتخذه عملية إعادة الإعمار. وهو يكشف للمرة الأولى، إذا كان الرقم قريباً من الواقع، حجم الخسائر في البنية التحتية مشيراً إلى مئتي بليون دولار، من دون احتساب حجم الخسائر الكلية المتضمن الملكيات الخاصة في الصناعة والزراعة والسكن. يتوجه بشار إلى روسيا وإيران والصين، بوصفها الدول المعنية بالتمسك به، ويحدد بأنها التي ستحصل على مقاولات الإعمار، وبالطبع يحسم بأن أي مواطن سوري سيفضّل الدول الثلاث بسبب موقفها السياسي المنحاز للنظام. وكي لا يبقى أمر التمويل غامضاً، يشير إلى حصول شركات تلك الدول على قروض من حكوماتها لتنفذ المشاريع الكبرى الموعودة، وتلك طريقة غير مباشرة لإعلان إفلاس خزينة النظام وعدم توقع الحصول على إيرادات مستقبلية ذات قيمة، ولعل هذا الإعلان الثابت الوحيد ضمن الحديث.

فحوى ما يطرحه بشار يعني خصخصة البنية التحتية والمرافق العامة الأساسية إلى أجل طويل، إذ من المعلوم أن العقود التي تُموّل من جانب الشركات المنفِّذة تستوفي الأخيرة قيمتها مع أرباحها عبر استثمار طويل الأجل. عبء هذه العملية يقع عادة على الطبقتين المتوسطة والفقيرة، بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الخدمات الأساسية مع الحرمان من الدعم الحكومي المرافق لها، والفجوة الحادة لن تكون فقط في الانتقال من الخدمات المملوكة كلياً للقطاع العام، وإنما لكون تلك الخدمات خاضعة لمفهوم الرعاية الاجتماعية في غالبية الدول، بما فيها دول رأسمالية عتيدة.

ضمن تصور بشار لبقائه، لن تكون هناك مساعدات دولية أو صندوق دولي لإعادة الإعمار، فهو يدرك استنكاف الدول القادرة مادياً عن المساعدة في حال بقائه. هو يدرك أيضاً أن الدول الثلاث الحليفة لن تُبقي على دعمها الحالي إلى ما لا نهاية، وأن وضع روسيا وإيران «بصفتهما الأكثر انخراطاً في حربه» لا يساعد في تقديم منح إضافية، بل يراهن على أن تدفع بهما أزمتاهما الاقتصاديتان إلى تأمين فرص استثمار لشركاتهما وعمالهما في سورية.

إذاً، يقدّم بشار نفسه كشريك اقتصادي يملك مقايضة مجزية للحلفاء، وفي الإطار العام لحديثه يضع القاعدتين العسكريتين الروسيتين في إطار توازن القوى العالمي، لا حماية نظامه، أي يضع نفسه في مرتبة الشريك في منظومة القوى الدولية، فضلاً عن الرسالة التي يرسلها للغرب بوصفه شريكاً في مكافحة الإرهاب. على ذلك، يوحي بأنه جاهز للانضواء في لعبة المصالح الاقتصادية والأمنية الكبرى، مدركاً أن مصالح غالبية السوريين لا اعتبار لها في الميزان، مثلما لا اعتبار لديه حتى لمصالح فقراء مؤيديه الذين سيُفاجأون بثمن السلم مثلما ابتلعوا ثمن الحرب.

يصادف مع حديث بشار الأخير أن تهبط الليرة السورية تحت حاجز الـ500 مقابل الدولار، ما أوقع صدمة كبيرة في الداخل السوري، وما يعني تدني النسبة الأكبر من الأجور بحيث لا تزيد قيمة الأجر عن 50 دولاراً. نظرياً، استمر النظام في دفع رواتب موظفيه طوال السنوات الخمس الأخيرة، لكن القيمة الفعلية لما يدفعه انخفضت أخيراً إلى العُشر، وكأنه تخلى عملياً عن 90 في المئة من موظفيه. تمويل العجز بالتضخم ليس جديداً على النظام، وليس جديداً أيضاً تمويله بسحب الدعم عن سلع أو خدمات أساسية. على العكس، لا يخفي نظام بشار أن القيمة الحالية للّيرة السورية أعلى من قيمتها فيما لو تُرك تحديدها للعوامل الاقتصادية، أي أنه يقدّم نفسه ضامناً لعدم حصول انهيارات درامية في سعر الصرف.

الخبر المؤسف للشريحة الأوسع من السوريين أن الانهيار قادم، وأن خطة إعادة الإعمار التي يطرحها بشار في حديثه تعني عدم القدرة على الوفاء بأي دور اجتماعي أثناء مرحلة إعادة الإعمار. بطبيعة الحال، ستشهد تلك المرحلة معدلاً مرتفعاً نظرياً من النمو، وستشهد طلباً كبيراً جداً على العملات الأجنبية، مع الحد من الاحتكار الحكومي لها، ما سيؤدي إلى هبوط حاد في سعر الليرة وقدرتها الشرائية. معدل النمو سيكون مرتفعاً في قطاع الخدمات، مع نقص حاد في إنتاجية قطاعات أساسية أخرى كالصناعة والزراعة، ومن يعرف الإتاوات التي كان يفرضها النظام على الاستثمارات الصناعية يدرك استحالة عودتها في ظله، على رغم كل ما يُشاع عن مشاركة قديمة بين الطرفين.

بنية النظام القمعية سمحت له بالتكيف بسهولة مع اقتصاد الحرب، فالمؤشرات الحالية كافة تكاد تخلو من المعنى الاقتصادي المعتاد، والمساعدات التي أُشيع حصول النظام عليها من إيران لا تفسّر عدم الانهيار التام مع توقف عجلة الإنتاج، بخاصة مع توقف الموارد النفطية منذ منتصف 2012. القيود المشددة التي وضعها النظام على تداول العملات الأجنبية، والانخفاض الحاد في حجم المستوردات، إضافة إلى الحجم المرتفع لتحـــــويلات السوريين من الخارج نتيجة الوضع المعــيشي المتدهور في الداخل، عوامل ساعدت في التغطية على المأزق الاقتصادي حتى الآن، لكنها عموماً مرتبطة بوضع الحرب. يُضاف إليها على نحو مؤثر وجود ثلثي البلاد خارج السيطرة، ما يعني عدم مـــسؤولية النـظام عن تقديم الخدمات لتلك المناطق.

بناء على ما سبق، لا ينسى بشار التنويه إلى أن حربه على «الإرهاب» ستستغرق وقتاً طويلاً. الأحرى أنه في حاجة لاستمرار الحرب لأنها تغطي عدم القدرة على النهوض بمسؤوليات السلم، على فرض تحقق السيطرة العسكرية. إثر مواجهة الأسد الأب مع «الإخوان» مطلع الثمانينات، حدث انهيار اقتصادي مشابه، وفقدت الليرة حوالى 80 في المئة من قيمتها، على رغم عدم تضرر المنشآت الاقتصادية حينها، واقتصار التدمير والإبادة على مدينة حماة. وإذا كان الابن يطمح إلى الخروج من المواجهة كما خرج الأب فهذا مستحيل اقتصادياً، مثلما هو شبه مستحيل سياسياً.

في حسابات بشار أنه نجح عندما أقر بعجزه عن السيطرة إلا على المواقع الحيوية له، فأتى التدخل الروسي إثر إعلانه ذاك. الآن يتمنى أن ينجح إعلان الإفلاس الاقتصادي في إبقائه كمعتمد لشركات الحلفاء. بالمجمل، يستلهم الرجل المرحلة الكولونيالية بطبعتيها المباشرة وغير المباشرة، لكن بالسطحية والابتذال الشائعين في أدبيات الممانعة.

المصدر: الحياة

69 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *