نساء الرقة: نبتسم للمرايا لكي لا ننسى الابتسام!

تعاني النساء في الرقة من مشاكل عديدة جراء سيطرة تنظيم داعش على المدينة وفرض قوانينه الخاصة التي تضيّق الخناق خاصة على المرأة. DW نجحت في التحدث إلى بعضهن عبر وسائل التواصل الاجتماعي فوصل صوتهن الحبيس إلى العالم.

اختفت من الرقة كل مظاهر الحياة بعد سيطرة تنظيم “داعش” على المدينة، وفقدت كل ملامح الفرح والجمال، واجتاحها السواد، فهي عاصمة ” الدولة الإسلامية” الافتراضية وبدّل التنظيم الإرهابي فيها كل شيء، ولم يبق من ألوانها سوى الأسود، فالرايات سود، ولباس الرجال اسود وجدران المدينة سوداء، الأبنية سوداء، ولباس النساء اسود.

وبعد فرض قوانين “داعش” اختفت ألوان ألبسة النساء الزاهية من الأسواق ومن الإحياء ، فكل النساء متشابهات لا فرق بين واحدة وأخرى، وقد تخطأ بزوجتك أو بأمك أو أختك فحتى العطر بات إثم كبير والصوت من الكبائر.

هالة البالغة من العمر 25 عاماً (اسم مستعار) امرأة من مدينة الرقة شمال شرق سوريا تحدثت لـ DWعن حياتها في المدينة المهدمة التي يحكمها تنظيم” داعش”: “عشت كامل حياتي في الرقة ودرست في جامعتها، ارتبطت بهذه المدينة كما ترتبط روحي بجسدي، لم أكن تلك المرأة المتحررة لكني كنت أملك هامش من الحرية، لا ضوابط سوى الضوابط الأخلاقية والمجتمعية على لباسي وكيفية معيشتي، ولم أكن محجبة ولم يكن هناك ضير في ذلك”.

عالم النساء هاجس الدواعش وكابوسهم !

Frauen in Rakka Syrienليس بوسع النساء سوى العمل في البيت

مع خروج الرقة عن سيطرة النظام السوري عام 2013 لم يكن هناك أي جهة تتدخل في شؤون النساء في بداية الأمر لكن تنظيم داعش وبعد انتصاره على الفصائل الأخرى وفرض سيطرته على المدينة كانت أول قراراته موجهة ضد النساء، (حجاب ونقاب وكفوف ولباس اسود فضفاض) وبدأت الأمور تسوأ شيئا فشيئاً، فمنعت الألوان عن كامل لباس المرأة واللون الوحيد هو الأسود، ثم العطر وصوت المرأة في السوق ولون حذائها وكعب الحذاء وطريقة المشي كذلك. كما أغلق تنظيم داعش المدارس والجامعات واصدر أمرا بمنع خروج النسوة خارج المدينة بدون زوجها او محرم ( أب – أخ ) ثم ما لبث أن اصدر قراراً جديداً يمنع الفتيات من الدراسة خارج مدينة الرقة.

وتشرح هالة قوانين “الدولة الإسلامية” : “التنظيم أنشأ كتيبة الخنساء ودورها هو البحث عن النساء المخالفات في الشوارع والأسواق وحتى في المنازل وتتألف من عدد من النساء المهاجرات والعديد من السوريات ذوات السمعة السيئة سابقاً ناهيك عن مقاتليه الذين ليس لديهم عمل سوى التدخل بالنساء، فقد ضُربت أمامي نساء كثيرات في السوق بالعصي وتم اعتقال كثيرات منهن بتهمة عدم الالتزام باللباس”.

الذهاب إلى السوق أصبح أمراً مرعباً للغاية فكتيبة الخنساء تلاحق الفتيات تارةً بحجة المخالفة وتارةً للبحث عن زوجات للمقاتلين وعن ذلك تقول هالة: “أتفقد لباسي عشرات المرات لدرجة كرهت فيها الخروج نهائياً، وبات المنزل هو المكان الوحيد الذي دفنت بداخله”.

لم تقتصر داعش على هذا ، بل اصدر التنظيم قوانينه الخاصة لتغيير عادات وتقاليد أهالي الرقة وفي ذلك تقول هالة: “كنت احلم كأي فتاة بالزواج من رجل أحبه ويحبني لكن الحال تغير وباتت الطرق التقليدية هي السبيل الوحيد للزواج وهي إما أن تراني أخت أو أم من يريد الزواج لتقوم بإقناعه بالزواج مني، ولن أراه أو أتحدث إليه سوى من خلال لقاء العائلة مجتمعة مرة واحدة وبعدها إما أن أتزوجه أو لا، لم يكن لدي كثير من الخيارات لأني كرهت كل شيء وأردت أن أغير حياتي فقررت الزواج”.

وتضطر كثير من الفتيات في الرقة للزواج في محاولة للحصول على حياة مختلفة، وهرباً من الزواج من مقاتلي “داعش” وعليهن تجريب حياة جديدة عليهن التأقلم معها، فالسوق من المحرمات والتنزه من ضروب الخيال، ولا خيار للفتيات سوى التنفس والبقاء على قيد الحياة.

Frauen in Rakka Syrienكتيبة الخنساء خيار نسوة الرقة الوحيد.

ريم – من طالبة أدب انكليزي إلى بائعة ألبسة تجلدها عناصر الحسبة !

وليس بعيدا عن منزل هالة تعيش ريم.ج 21 عاماً وتقول لـ DW : “أعيش مع عائلتي التي يبلغ عدد أفرادها 7، وكنت ادرس في قسم اللغة الانكليزية في الجامعة، ذهبت إلى الجامعة لسنة واحد لكن داعش قامت بإغلاقها ولا يملك أهلي تكاليف سفري إلى مدينة أخرى لإكمال تعليمي، فأجبرت على البقاء في الرقة والتوقف عن الدراسة، ساءت أحوالنا المادية شيئاً فشياً، فأبي لم يعد بمقدوري الذهاب لاستلام مرتبه وانخفضت قيمة العملة السورية واضطررنا إلى مغادرة منزلنا الذي تحطمت أجزاء كبيرة منه بسبب غارة للطيران أدت إلى مقتل احد أخوتي وانتقلنا للعيش في منزل آخر بالإيجار”.

عوضا عن المدارس والجامعات افتتح تنظيم داعش “ملتقى الفتاة المسلمة ” وهو عبارة عن مكتب تلتقي فيه الفتيات ويتم تدريسهن على أفكار التنظيم وكيفية نشرها داخل المجتمع، وفتح أيضا باب الانضمام لكتيبة الخنساء وباب التسجيل في كلية الطب وكلية التمريض التي يديرها، والتي تقوم فيها المنتسبات بالاهتمام بجرحى التنظيم وتجهيز اكبر عدد من النساء لأعمال التمريض في حال حدوث أي معركة أو قصف لمعالجة المقاتلين.

وتضيف ريم “أمام كل هذا لم يعد هناك مجال للهروب فالجميع مطالبون بالعمل وأنا اكبر أخوتي، ووجدت عملاً في محل لبيع الألبسة النسائية في شارع تل ابيض وسط المدينة إلى أن داهمت إحدى دوريات الحسبة المحل واعتقلتنا و صاحبه بحجة الاختلاط بخلوه غير شرعية، وتم جلدنا جميعاً”.

ريم –” أقف كثيراً على المرآة لابتسم لكي لا أنسى الابتسامة”

التنظيم يعتبر عمل المرأة والرجل سوياً “خلوة غير شرعية” ويعاقب عليها بالجلد والسجن لمدة تتراوح بين 3 أيام وشهر.

ترتجف يدا ريم وتدلكهما ببعضهما وتغير نبرة صوتها وتنحدر الدوعم من عينيها وتتابع بالقول: “أثناء اعتقالنا في داخل سجن الحسبة لم تبق شتيمة ولا كلمة نابية لم يتفوهوا بها وضُربنا لدرجة أنني لم استطع النوم على ظهري لأسابيع”.

ما حصل مع ريم دفعها لكره مدينتها وأهلها والجميع، حاولت وأخاها الخروج من هذا الجحيم لأي مكان لكن جهودهما باءت بالفشل لان الحواجز تريد إذنا يتم استخراجه من الحسبة حسب قولها.

وفي هذا السياق تؤكد ريم أن الحسبة (الشرطة الإسلامية) تريد سبباً لسفرها الذي حاولت إقناعهم به بشتى الطرق. وفي حال حصولها أو صديقاتها على الإذن للخروج فإنهن يفشلن ويتم إعادتهن بسبب الاشتباكات في ريف حلب. وفشلت محاولة أخرى أيضاً من ريف الرقة الشمالي لأنهم لا يملكون شخصاً يقوم بكفالتهم لدى وحدات حماية الشعب أو كما يسمونها في الرقة (داعش بالأصفر) التي تسيطر على المنطقة الشمالية”، كما تقول.

وتضيف ريم بالقول “حالياً اعمل في المنزل بالخياطة مع والدتي وأختي، لم اعد اشعر بشيء مطلقاً ولا أميز بين الأيام أو الطعام، حتى الضحكة بات من النادر أن أجد لها طريق إلى وجهي وأحيانا أقف كثيراً على المرآة لابتسم لكي لا أنسى الابتسامة والضحك…نعم اضحك على نفسي، نحن رغم الموت مازلنا نتنفس”.

المصدر: دويتشه فيله

5 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *