فيدراليتنا بلا فيدراليين … وبلا فيدرالية أيضاً


ياسين الحاج صالح

يمكن للفيدرالية أن تكون بالفعل حلاً ناجعاً لغير مشكلة سياسية وتنموية وإثنية في سورية، البلد الذي لا يملك تراثاً مهماً من التفكير والنقاش في شأن نظامه السياسي.

مِن أبدى ما يفترضه تفكير جاد في شأن الفيدرالية التي قررها حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي في شمال سورية يوم 17 آذار (مارس) الماضي شيئان أو ثلاثة. أولها، وجوب استشارة السكان المعنيين في شأن المشروع المقترح، فإذا كانت الفيدرالية السورية المفترضة ستقوم بين متن سوري ما ومناطق يكثر فيها السكان الكرد، محافظة الحسكة ومناطق من حلب، فأول ما يلزم هو إحصاء السكان في هذه المناطق من جانب جهة محايدة، تثار في شأنها أقل الشكوك.

وفي المقام الثاني، يلزم معرفة حدود المقاطعات الفيدرالية، والاعتبارات الدافعة إلى تمييزها بهذا الشكل لا بذاك، ومن يحددها، وعلى أية أسس. ما يمكن أن يجعل الفيدرالية خطوة نحو الاتحاد والسلام لا نحو التفرّق والحرب هو أن يتم تحديد المقاطعات الفيدرالية على أسس معلنة مقنعة، تسهل ضمان السلم والتعاون في المقاطعات، وفي الدولة الفيدرالية ككل.

وبعد الإحصاء النزيه المأمول وتحديد المقاطعات الفيدرالية، لا بد من استفتاء السكان، حول رأيهم في شأن الفيدرالية، التي يتعين أيضاً شرحها شرحاً مختصراً وواضحاً للجميع، وأن يتاح لأنصارها وخصومها الدعاية العلنية لمشاريعهم. فليس هناك وجه عادل لتجاهل رغبات السكان في شأن سيتأثرون به كل التأثر.

يُفترض أن الفيدرالية صيغة اتحادية تجمع مقاطعات مستقلة تحافظ على استقلال ذاتي، أو هي تدرأ عن بلدان مخلخلة الكيان انقساماً داهماً قد يقترن بصراعات عنيفة. وهي في كل حال تستوجب استشارة السكان بما يحد من الصراعات ويضمن الاتحاد.

في تاريخها الطويل، قلما كانت سورية دولة مركزية، خلافاً لمصر، وبصورة ما للعراق القديم، ولليمن، وكذلك لإيران. وحين لم تكن سورية الحالية أو «سورية الطبيعية» ككل ولاية أو ولايات متعددة تابعة لإمبراطورية أوسع (والإمبراطوريات قائمة على «التنوع» تعريفاً)، كانت في تاريخها المديد، قبل الإسلامي وبعد الإسلامي، أقرب إلى إطار لدول – مدن. وبصرف النظر عما إذا كان ذلك يجعل الفيدرالية صيغة أنسب للنظام السياسي، فإنه كاف للتشكيك في صلاحية نموذج الدولة المركزية في بلد كهذا. التاريخ مُحكِّم، ومن لديه تاريخ كتاريخنا، لديه سند مفيد للتفلت من الأهواء وللحكم بين الأهواء.

ولا تكفي الحقبة الأسدية، وحقبة سورية الحديثة ما بعد الاستقلال عموماً، معياراً للتقرير في شأن الصيغة الأصلح لحكم بلد متنوع البيئات الجغرافية والمناخية والاجتماعية والثقافية على رغم صغره، مثل سورية. وبينما قد يكون صحيحاً أن الطغيان الأسدي وتمركز الدولة والسياسة والحياة العامة حول حافظ ثم حول سلالته ليس نتاجاً مباشراً محتوماً للمركزية السياسة، فإن المركزية لا تنصب أية عوائق في وجه الطغيان. وعليه فإن تاريخ البلد الأقدم القائم على التنوع والاستقلال الداخلي وغياب الدولة المركزية، والتاريخ الأحدث الذي اقترنت المركزية فيه بالطغيان وبحربين داخليتين كارثيتين، يدفع نحو نظر أكثر جدية نحو خيار الفيدرالية.

والحال أن المرء لا يتبيّن نظراً كهذا، ليس عند من اعترضوا على فيدرالية الاتحاد الديموقراطي وتابعيه، ولكن لدى هؤلاء أيضاً. لا شيء يدل على إحاطة بتاريخ البلد الاجتماعي والسياسي، لا شيء يدل على احترام التنوع الاجتماعي والثقافي للسوريين أو لسكان مناطق المقاطعة الفيدرالية المفروضة، لا شيء يدل على حس بالعدالة والنزاهة وحسن السياسة، لا شيء يدل على الرغبة في إثارة نقاش عام والتداول في شأن مستقبل سورية ونظامها السياسي. ولا شيء بخاصة يدل على وجود فيدراليين أو نصف فيدراليين.

فإذا كان للفيدرالية أن تكون صيغة مناسبة لاتحاد سوري، يطوي صفحة التصورات القومية والمركزية لسورية، يقتضي الأمر أن تكون النخب السياسية جادة في شأنها، وأن تعني بالفيدرالية الفيدرالية وليس شيئاً آخر، وأن تقوم الفيدرالية على تفاهم سياسي عريض، وتُراعى مقتضيات قيامها من استشارة السكان وتوفير تمثيل فعال لهم، ومن توفير بيئة أكثر ملاءمة للاتحاد في البلد ككل، وفي المقاطعات الفيدرالية.

وفي كل حال السؤال عن الصيغة الأصلح للتنظيم السياسي لسورية أهم من أن يتم التفكير فيه في سياق من وقائع معلومة وغير معلومة من صنع عدم الثقة بين السوريين، ونشر أجواء نقاش وتفكير متوترة، بل مسمومة.

وعدا ما سبق من الحاجة إلى تعريف الفيدرالية نفسها، ومن ضرورة الإحصاء السكاني، فما قد يساعد في الحكم على جدية أي مشروع لفيدرالية في سورية هو مدى التوافق بين هذا المشروع وبين تفكير وسياسات التشكيلات السياسية الداعية إليه والعاملة من أجله.

هل ندفع نحو الفيدرالية بتشكيلات سياسية فيدرالية التكوين والوعي، أم هي مركزية وقومية التكوين والوعي؟ هل التفكير في الفيدرالية متوجه نحو العدالة والاستقلال الذاتي للجماعات، أم نحو خدمة أوهام السيطرة والسيادة؟ وإذا كانت منطقة الجزيرة في سورية مقاطعة فيدرالية مثلاً، فهل ستكون العلاقات بين سكان المنطقة، الكرد والعرب والسريان والتركمان والأرمن، فيدرالية هي ذاتها، أم أنها ستخضع لكيان مركزي، ينسخ بنية العلاقة بين المركز السوري اليوم، دمشق، والمناطق السورية، على نطاق «روجآفي»، على ما هو راجح اليوم؟

في مواجهة الكيان الفيدرالي الناشئ، يلزم الدفاع فعلاً عن حق السكان العيانيين في الحكم الذاتي وتقرير المصير، لا عن الحكم المركزي. مشكلة هذا الكيان ليست صفته الفيدرالية، بل خلوه منها، وامتلاؤه، بالمقابل، بمنزع قومي مركزي، تسلطي وتوسعي.

سورية ككل بلد لا يناسبه حكم مركزي، سواء نظرنا إلى تجربتنا خلال خمسين عاماً، بل سبعين عاماً منذ الاستقلال في واقع الأمر، أو إلى سوابق تاريخية عبر مئات السنين وألفياتها. لكن ليس أي تلفيق للفيدرالية يمكن أن يكون مثمراً، بالعكس يمكنه أن يمدد تمديداً غير مستحق في عمر دولة مركزية كانت غولاً فتاكاً، أو مدخلاً إلى حروب وخسارات لا تنتهي للجميع.

أخطر شيء على فكرة الفيدرالية في سورية هو ضرب مرتجل مُزوّر منها، «يحرق» فكرتها نهائياً ويجعل منها قناعاً لأشكال من التكاذب، من الضرب المألوف جداً في بلدنا. وليس في المشروع المقرر، وفي إخراجه الركيك، ما يخرج قيد أنملة على الارتجال والغش والمُزايدة، مما كان الطبيعة الثانية للحكم البعثي في سورية طوال أكثر من نصف قرن.

ليست اللامركزية مجرد ضرورة ديموقراطية وتنموية في سورية، إنها قبل ذلك ضرورة لحسن تحاور وتجاور السوريين المختلفي المنابت، وللتدرب على الحكم الذاتي. وهذا منطلق أصلح لإنصاف تطلعات الكرد السوريين إلى الحرية والعدالة والاحترام في مواطِنهم.

المصدر: الحياة

49 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *