رحلة السوريين إلى البريستيج الاجتماعي الفرنسي


رنا بركات

 

مع الأسف عندما أخذت قراراً بأن أكون تحت صفة: لاجئ في فرنسا حصرا، كان ذلك بدافع الحدّ من نزيف ابنتي في رحلة الخمس سنوات من هجرتنا القسرية خارج وطننا سوريا كبدوٍ رُحَّل من بلد إلى بلد، باحثين عن عمل هنا وهناك؛ وعن مكان إقامة وعفشٍ منزلي زهيد الثمن نشترية بمدخراتنا الباقية أو ربما من مقالٍ هنا أو هناك؛ وديونٍ من صديق أو صديقة … كمحاولة فاشلة لترميم تغريبتنا السورية وجرحنا الدامي. لعل جرح وألم العوائل السورية أسهل بكثير من جهد أطفالها في التأقلم مع الحياه الجديدة واللغات الكثيرة التي تلقوها في رحلة الشقاء السورية الكبرى.

منذ عشر سنوات كنت في فرنسا بهدف الدراسة؛ أعيش حياة الطلبة بالطول والعرض؛ فلم أتعرّف آنذاك..على البريستيج الاجتماعي الفرنسي. كانت صدمتي كبيرة عندما وصلت مع ابنتي كلاجئتين سوريتين في مكان لم تطأه قدم سوري واحد قبلي؛ لأن سكانه لا يتكلمون سوى الفرنسية. استقبلتني عائلة تعيش في سويسرا؛ يفترض أنها من وسط راقٍ، كانت دهشتهم بأني سورية؛ وأعمل في مجال الثقافة ولست ممثلةً لأيّ دينٍ موجود على وجه الأرض، ولم أكن النمط المرسوم في ذهنية الإعلام الأوربي أبداً.  تهافت أهل القرية للترحيب بنا؛ ولمشاهدة هذه العائلة السورية الناطقة باللغه الفرنسية، شعرت لوهلة أنني في معرضٍ للمستحاثات، لكنني كنت أسعى دائماَ للحراك و الحركة؛ كي لا أكون صنماً أو حيواناً على وشك الانقراض.

أدخلتُ المطبخ السوري إلى هذه القرية بدعواتي المستمرة لسكان القرية لتناول العشاء في البيت الذي أعارتني إيّاه الأسرة الفرنسية \ السويسرية. التقطت صاحبة المنزل صوراً لنا ونشرتها على الفيسبوك؛ وأعلمت القاصي والداني باستقبال عائلة سورية؛ وانأ أسمع وأقرأ وأضع اللايكات كمراقب عام متتبع . وبقيت أتواصل مع معارفي السوريين وأسمع قصصهم في رحلتهم إلى فرنسا؛ وعن نساء استقبلهن خلال مدة انتهاء الإجراءات الورقية والكوارث الحاصلة معهم. أتساءل لماذا يُقدِّم الفرنسيون هذا الترحاب ومن ثم ينسحبون. سؤال لم تكن له إجابة.

أضع بين يديّ القارئ بعضاً من قصصنا: صديقة استقبلتها صحفية فرنسية تعلم مُسبقاً بان المرأة السورية الجميلة قد عبرت البحار في رحلة الموت الكبرى وهي مصابة بالسرطان، في الأسبوع الأول تمّ التعامل معها من قبل الصحفية الفرنسية بكامل الرُقِيّ والتهذيب الفرنسي المعهود؛ فعرّفت كلَّ أصدقائها عليها؛ معربةً عن سعادتها بضيافتها. كانت صديقتي تقول بلهجتها الحلبية: “شكلها المخلوفة حبّابة ومرتبة؛ وما ضَلّ حدا ما عرفتني عليه” و “فتحت سُفَر”، تقصد: موائد طعام، إلى أن جاء يوم الغسيل؛ فطلبت صديقتا السورية من المضيفة أن تغسل ثيابها في الغسالة فرفضت الفرنسية؛ و من هنا بدأ الانقلاب تجاه ضيفتها السورية والمهانات المعنوية لها من خلال تفاصيل سخيفة في مفهومنا العربي؛ و على سبيل المثال: لماذا لا تعملين في حديقة المنزل؟، لماذا لا تكتبين بكلتا اليدين على الكمبيوتر؟، عليكِ بتعلم الفرنسية بطلاقة أكبر؟؛ ستصبحين خادمة إن لم تتعاملي مع الكمبيوتر بشكل أكبر.. الخ؛ من دون أي اعتبارٍ لكونها مريضة سرطان.

صديق آخر يسكن في “ليون ” استقبلته امرأة فرنسية تعمل مع المسنين. لم يوفر صديقنا قرشاً ليشكر السيدة على استقبالها له؛ كان يتولى مصروف المنزل كاملاً حتى لا يشعر بأن أحداً استضافه؛ ثم تبدأ الحملة نفسها بعد الترحيب؛ بشتيمته على كل شيء؛ وبالاتصال معي باعتباري أتكلّم الفرنسية؛ لتخبرني بعصبية: إنه يقضي وقته في الليل على الانترنت، لم تكن تريد أن تفهم بأنّ عمله السياسي يُحتِّمُ عليه العمل على الانترنت؛ وبأن مصدر دخله الوحيد هو من الكتابة. كانت تقول: لا احتمل هذا الأسلوب.. لا احتمل. وهكذا حمل صديقنا حقيبته وبدأ تغريبته من منزل إلى آخر إلى أن جاء موعد استلامه لمنزلِ اللجوء..

وهكذا فعلت سيدة المنزل الفرنسية معي. إذ بعد حفلات الصور البريستيجية على الفيسبوك، بدأ معي سيناريو أصدقائي نفسه.

حاولت البحث عما إذا كان هناك إعفاء للفرنسيين من الضرائب عند استقبالهم لسوريين أو لسواهم، فلم أجد. ما وجدته هو حقيقة واحدة لا غير: البريستيج الاجتماعي؛ وتعني كلمة بريستيج بالفرنسية: الإطار الإجتماعي لمكانة الشخص أمام الآخرين؛ وهو تعبير عن نمطٍ مُعينٍ من السلوك اليومي، حتى لو كان قائماً على اضطهاد الآخرين.

ذكرت ثلاث حالات فقط، وهي لا تعني بالضرورة تعميم الأمر على جميع الفرنسيين. ومع ذلك، فإن بريستيج البرجوازية الفرنسية يُغوِي حتى الفرنسيين العاديين.

 

99 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *