في ذكرى الاستقلال..لا خيار إلا بالعودة إلى قيم ثورة 1925

كلفت معركة الاستقلال، كما هي كل معارك الحرية في هذا العالم، ثمناً باهظاً، ورغم إدراكهم لفارق القوة وحجم التضحيات إلا أن السوريين انتفضوا ثائرين من دون أي انتماء طائفي أو عرقي، وفي سبيل حرية كل السوريين. لقد امتلكوا رؤية واضحة وساروا تجاهها، من دون أي تردد أو شك بحتمية تحقيقها، فكان لهم ما أرادوا. ورغم أن النضال لم يتوقف منذ لحظة دخول الفرنسي حتى خروجه، إلا أن سورية لم تدرك استقلالها إلا بعد 21 عاماً على تفجر ثورتها الكبرى.

تستحضرنا الذكرى اليوم، والسوريون يواجهون أكبر أزمة إنسانية يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، أي منذ زمن الاستقلال. لا شك أن لا مكان للمقاربة بين المحتل الفرنسي وبين نظام لا تردعه أي قيمة إنسانية، كما هو حال المقاربة بين ثورة 1925 وثورة 2011. لكن في الواقع، فإن ألم الموت واحد وقرار مواجهته واحد، كما لا مجال للنسبية أيضاً عندما يتعلق الأمر بالشجاعة، فإما أن يكون المرء شجاعاً أو لا يكون، ولقد عبر السوريون عن شجاعتهم في الثورتين، فعلى مدى خمس سنوات، لم يتوقفوا عن تقديم الشهداء والعذابات في سبيل حريتهم، وعلى رغم من حجم المأساة إلا أنهم ظلوا متمسكين بمطلبهم الأول في ثورتهم، فما إن توقفت الطائرات عن إفراغ أحقادها في أجسادهم حتى عادوا يملؤون الأرض هتافاً سلمياً بالحرية، كأنما الربيع ولد من جديد في عين النار.

اليوم نقرر مصيرنا، ونقرره نحن وحدنا بغض النظر عن الآخرين مهما كان حجم تدخلهم كبيراً أو صغيراً في رسم هذا المصير، في نهاية المطاف لن يكون القرار إلا قراراً سورياً، لا يمكن لأحد أن يقرر ماذا سنكون أو كيف سنكون في المستقبل إلا نحن، ولن يقبل التاريخ، عند حكمه علينا، أن الظرف كان أقوى من أن نستقل بقرارنا ففُرض علينا ما لم نضح من أجله.

لا شك بأن غالبية اسوريين بمختلف أطيافهم متمسكون بوحدتهم ووحدة أرضهم، ولكننا كسوريين غير متفقين على ما نريده مستقبلاً. والحجة التي يتمسك بها العالم لفرض نظام الأسد والحفاظ عليه ليكون له دور في مستقبل الشعب السوري، لم تأت من فراغ، الواقع أن بعض فرقاء المجتمع الدولي بمن فيهم بعض ممن يدعون تحالفهم مع السوريين، يستمدون هذه الحجة من غياب مشروع وطني جامع، يقبله كل السوريون، أو على الأقل يضمن كرامة كل السوريون، هذا هو الفارق الجوهري بين ثورة 1925 وثورة 2011.

فالبديل الذي لم ينضج بعد ليس بالضرورة شخصية طبيعية أو اعتبارية، إنما بدون شك هو الإجابة عن السؤال الحاسم كيف ستكون سورية بعد نظام الأسد؟ هذا السؤال وإن كان يبدو في ظاهره يبحث عن إجابات لمخاوف الدول الأخرى، ولكن في جوهره يطرح مخاوف كثير من السوريين. للأسف، فإن إجابات نظرية عامة غير واضحة كالحرية والمساواة والعدالة لا تفي بالغرض، لأن جميع هذه المفاهيم تبقى نسبية ويمكن إعادة توظيفها في نصوص دستورية تنتج نقيضها.

إذا لا بد من أن تكون الإجابات واضحة ومحددة، عن أي حرية نتحدث وأي مساواة أو عدالة. داعش المتخلفة الوافدة إلينا من عهود سبقت ولادة الإسلام، وكذلك نظام الأسد بكل إجرامه، الاثنان يطرحان هذه المبادئ أو القيم، وما يتماشى مع اجرامهما.

إن محاولة إعادة طرح النظريات الإيدولوجية كوصفات جاهزة للرد على جميع هذه المخاوف كالإسلام هو الحل أو العروبة أو القومية السورية أو أياً من هذه النظريات القائمة على التمييز بين المواطنيين حسب انتمائاتهم الدينية أو العرقية أو الثقافية، ليست إلا إعادة إنتاج لسلطة استبداية جديدة سيعاني منها السوريون كما يعانون الآن من سلطة نظام البعث القومي العربي.

كما أن تقديم الصراع الدائر الآن بين الشعب السوري وبين الطغمة الحاكمة على أنه صراع بين فئة مظلومة ذات طابع ديني أو قومي معين وبين النظام فحسب – رغم أن الواقع ليس كذلك رغم ما يكسوه من أشكال طائفية مقيتة -‘ هو في حد ذاته تكريس لفكرة التمييز من خلال المظلومية التي إن نجح المروجون في إسباغها على طبيعة الصراع، سيقدمون للنظام وحلفائه ما كان يسعى للوصول إليه منذ اليوم الأول لانطلاق هذه الثورة.

ليس هناك من خيارات كثيرة لمعالجة الاستعصاء الذي تمر بهسورية، وأكاد أجزم أن لا خيار إلا بالعودة إلى قيم ثورة 1925 من خلال طرح مشروع وطني جامع يحفظ لكل مواطن كرامته ويضمن له حريته الثقافية والدينية، ويحقق المساواة الاجتماعية والاقتصادية، ويؤسس لمجتمع يقوم على التضامن والتعاضد بين جميع أفراده دون النظر إلى انتمائاتهم وأصولهم.

وإن كانت الثورة السورية الكبرى قد قدمت الجزء الأول من هذا المشروع ونجحت في خلقه على أرض الواقع في مثل هذا اليوم قبل تسعة وستين عاماً، فإن ثورة “الموت ولا المذلة” تطالب أولادها اليوم بأن يستكملوا بناء هذا المشروع من خلال التمسك بمفهوم الدولة العلمانية الحيادية تجاه جميع مواطنيها.

64 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *