متطوّع في البحر.. غياث الجندي وكثير من القصص الإنسانية

كغيره من السوريين الذين يعيشون في أوروبا، كان الباحث الحقوقي السوري غياث الجندي يتابع بشكل يومي مأساة اللاجئين السوريين الذين يغامرون بحياتهم للوصول إلى القارة الأوروبية بحثاً عن الأمان. في أحد أيام شهر سبتمبر/أيلول عام 2015، شعر الجندي أنه لا يمكنه الاكتفاء بمشاهدة صور المأساة هذه على شاشة التلفزيون. قرّر ومن دون تردد التوجه إلى اليونان.

وصل إلى شواطئ جزيرة ليسفيوس اليونانية، حيث يصل مئات اللاجئين يومياً. هناك، التقى عشرات المتطوعين والمتطوعات، وبدأ العمل معهم لاستقبال اللاجئين ومساعدتهم. وما إن ينهي جولة تطوعية ويعود إلى منزله في بريطانيا حتى يحجز تذكرة لجولة أخرى.

يتحدّر الجندي من إحدى بلدات الساحل السوري، وبات يحمل الجنسية البريطانية. كان قد ترك سورية عام 1998، ولم يعد إليها منذ ذلك الحين بسبب مضايقات جهاز الاستخبارات آنذاك. تزوج من بريطانية ولديه طفلتان. في البلد الجديد، عمل الحقوقي السوري مع عدد من المنظمات الحقوقية الدولية، أبرزها منظمة “العفو الدولية” ومنظمة “القلم الدولي”.

ترك سورية قبل 18 عاماً. يقول: “كانت حينها مدمرة اجتماعياً وسياسياً. أما اليوم فقد دمرت إنسانيتها، وقد رأيت آثار هذا الدمار على شواطئ اليونان. أناس من دون مستقبل ولا حلم. خسروا بيوتهم وأرزاقهم وفقدوا أفراداً من عائلاتهم وأقربائهم”.

“يرتجفون بين أيادينا”

خلال أيام التطوع، كان الجندي يبقى وغيره من المتطوعين على الشواطئ اليونانية حتى ساعات متأخّرة من الليل، يرصدون قوارب اللاجئين، علماً أنه كان لدى معظم المتطوعين الخبرة الكافية للاستدلال على وجود قارب. كانوا يستطيعون رؤية القارب بعد انطلاقه من تركيا بقليل، ويستعينون أحياناً بمناظير لمراقبته بوضوح. وتبعاً لحركة الأمواج، يحددون النقطة التي يفترض أن يصل إليها القارب على الشاطئ.

يقول الجندي: “كنّا نعرف الوضع من خلال عيون اللاجئين وطريقة تواصلهم معنا. كنا نرى الخوف في عيونهم وعيون أطفالهم، وقد تبللوا بالمياه. حين كنا نحملهم لإخراجهم من المركب، كانوا يرتجفون بين أيادينا”.

وعلى الرغم من كثرة الكاميرات التي باتت ترصد وصول اللاجئين، إلا أن المتطوعين هناك كانوا يرون ما لا يستطيع الناس رؤيته على شاشة التلفزيون. يقول الجندي: “من خلال التلفزيون، لن يستطيع الناس رؤية كمّ الألم والرعب الذي يشعر به اللاجئون. في أحيان أخرى، كنا نرى الأمل في عيونهم وفرحتهم في الوصول إلى مكان آمن”.

بعد وصول أي قارب، كان الجندي وزملاؤه يساعدون اللاجئين، وخصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن، على الخروج منه بشكل آمن، ثم يقدّمون لهم الملابس الواقية، ويبدلون ملابس الأطفال، ليعطوا الأهل بعض الوقت لالتقاط أنفاسهم وتبديل ملابسهم. بعدها، ينقلون إلى المخيمات. في أحيان كثيرة، كان المتطوعون يبحرون لإنقاذ لاجئين عالقين في قارب معطل أو مهدد بالغرق. مع ذلك، يرى أن أهم ما كانوا يقدّمونه للواصلين هو “إشعارهم بالأمان. كنا نخبرهم بأنهم في أمان، وأن أحداً لن يعتقلهم أو يرجعهم”.

“أريد أن أراه”

خلال جولاته التطوعية، اختبر الجندي على مدى أكثر من ستة أشهر، الكثير من المواقف الإنسانية التي لا تنسى على حد قوله. في إحدى المرات، اضطر للتدخل مع إثنين من زملائه لإنقاذ قارب توقف على بعد كيلومترين من الشاطئ. كان القارب على وشك الغرق وعلى متنه 56 لاجئاً بينهم 18 طفلاً. يقول: “كنّا نسمع صراخهم وبكاءهم من مسافة بعيدة. حين وصلنا لم نصدق ما رأينا. كانوا يبكون ويمدون أياديهم إلينا، فيما كانت الأمهات تحتضن الأطفال خوفاً عليهم من الموت. ربطنا مركبهم بمركبنا وسحبناهم إلى الشاطئ. لا أنسى تلك اللحظات. حين وصلنا، كانوا يبكون جميعاً، وقد بكينا بدورنا. فيما لم يتوقف الأطفال عن الصراخ”.

في حادثة أخرى، وصل إلى الشاطئ قارب كان قد تعطّل مرات عدة، وامتلأ بالمياه حيث تجلس النساء والأطفال. يضيف: “رأيت أمّاً معها ثلاثة أطفال، أحدهم لم يتجاوز العام، وقد غمرته المياه. لم تنتبه إلى ما حدث بسبب شدة الازدحام. انتشلته سريعاً ولم يكن يتنفس. بعد عناء، عاد الطفل للتنفس ونقل بسيارة إسعاف إلى المستشفى ثم نقل بطائرة طبية إلى أثينا. كانت والدته تركض على الشاطئ وتصرخ: أريد أن أراه”.

خلال أيام عمله، دأب الجندي على نقل المشاهد الإنسانية التي يعايشها من خلال صفحته على “فيسبوك”. في إحدى الصور التي التقطت له وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، كان يصرخ وهو يحمل طفلاً صغيراً بين يديه. يقول: “نزل والده من القارب وهو يحمله، ثم أعطاني إياه وهو يدير وجهه إلى الجهة الأخرى. كان يردّد: أبعده عن المكان. أبعده عن المكان. ظن أنه فارق الحياة. أخذت الطفل وهززته وحاولت الحصول على رد منه، إلا أنه لم يكن يستجيب. صرخت لزميلي الطبيب بأن يأتي. وبعد محاولات عدة، استجاب الطفل”.

على الشواطئ اليونانية حيث عمل الجندي، كانت جميع المبادرات التطوعية فردية بشكل كامل، فيما كانت المنظمات الإغاثية الكبيرة غائبة. يقول: “لولا المتطوعون والمتطوعات، لكان الوضع صعباً جداً. المنظمات تعمل من مكاتبها، وعادة ما تركز عملها في بلدان لها تاريخ في اللجوء متل كينيا. إلا أن الأزمة السورية جديدة في أوروبا”. يضيف: “خلال زيارتي الأولى، كنت المتطوع الوحيد الذي يتكلم العربية، قبل أن ينضم إلي طبيب وممرض فلسطينيان. جميع المتطوعين جاؤوا بدافع إنساني، ولم يكن هناك أي مردود مالي. كنا نمول أنفسنا”.

وكما ساهم الجندي في إنقاذ حياة الكثير من اللاجئين، فقد غيرت هذه التجربة حياته. يقول: “أشعر بالرضا”. يضيف: “اختبرت احساساً لم أعشه من قبل، ولا يمكنني وصفه. كان يراودني شعور غريب كلّما وصل قارب، وهو مزيج بين الألم والأمل. خلال عمليات الإنقاذ، لطالما شعرت بأنني إنسان مجرد من كل شيء”.

وإلى الأسباب التي تدفع السوريين للهرب إلى أوروبا على الرغم من المخاطر، يقول الجندي إن “السوريين هربوا من الحرب التي يشنها النظام عليهم. هربوا من غياب المستقبل. يريدون حياة طبيعية، وأن يذهب الأطفال إلى المدارس”. في الوقت نفسه، يلفت إلى أن “دول الجوار لا تقدم أي مساعدة للاجئين على الرغم من أن في الأردن ولبنان عددا كبيرا من اللاجئين السوريين. هؤلاء يعيشون ظروفاً صعبة. لذلك، جاء السوريون إلى أوروبا بحثاً عن مستقبل أفضل وأمان، وهذان مفقودان في دول الجوار. فالأخيرة غير مهتمة ببساطة بمساعدة السوريين”.

معاناة جديدة

ما إن يتجاوز السوريون مصاعب الوصول إلى إحدى الدول الأوروبية وتقديم طلب اللجوء فيها، تبدأ معاناة من نوع آخر، منها الحواجز التي تحول بينهم وبين المجتمعات الأوروبية. يقول الجندي إن “السوريين والأوروبيين مسؤولون عن تشكيل هذا الحاجز، بالإضافة إلى مشكلة اللغة وعوائق تقبل الثقافة الجديدة. للأسف نسمع أصواتاً تنتقد الحياة الاجتماعية في بلدان اللجوء وهذا مضر باللاجئين. لا يمكن للاجئ أن يأتي ويطالب بتغيير نمط الحياة الاجتماعية في بلد اللجوء. الأوروبيون يحترمون خصوصيات الآخرين، ولا خيار أمام اللاجئ إلا التأقلم أو الانعزال”.

يستطرد: “بطبيعة الحال، يحتاج الاستقرار في أوروبا لبعض الوقت. وعلى الرغم من أن منفذي العمليات الإرهابية في بعض المدن الأوروبية كانوا قد ولدوا في أوروبا، إلا أن هذا الأمر دعم الحواجز، وخصوصاً أنها استغلت من قبل اليمين المتطرف الأوروبي وبعض دول أوروبا الشرقية، لمنع قدوم المزيد من اللاجئين”.

من زاوية حقوقية، يرى الجندي أن الاتفاق التركي ـ الأوروبي الذي يقضي بإعادة اللاجئين الواصلين حديثاً إلى تركيا “غير إنساني”، وينتهك حقوق اللاجئين بشكل غير مسبوق. يضيف أن “الأوروبيين قايضوا حقوق الإنسان مع الأتراك، والأتراك فاوضوا واستغلوا أزمة اللاجئين للحصول على مكاسب. كذلك، أثبت الأوروبيون أنهم مستعدون للتنصل من أي التزام بالحل في مقابل إسكات الأصوات اليمينية التي تعارض قضية اللاجئين”. ويشير إلى أن “تركيا ليست بلداً آمناً للاجئين”.

المصدر / لبنى سالم- العربي الجديد
24 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *