نقاط في مسألة الأقليات والاندماج الوطني


مضر الدبس

 

 

كشفت خمس سنوات مَرّت على الثورة السورية الكثير من الحقائق التي زوَّدت الوعي الوطني بالكثير من المعرفة وقرّبت المجتمع السوري من وعيهِ لذاتهِ. وكانت مسألة الأقليات من المسائل التي يتجدد النقاش حولها باستمرار، لتكون موضوعاً للجدل بين السوريين جميعهم، يعيدها أي حدث أو تصريح بسيط إلى طاولة النقاشات المُلحَّة. ويستحوذ مصطلح حماية الأقليات في كل مرة على النصيب الأكبر من هذا الجدل، بين موقفين حديين متسرعين يقومان على الرفض القطعي أو القبول القطعي. من الواضح جداً أن سلوك النظام الحاكم مع الأقليات الدينية خلال الثورة كان أقل عنفاً وأكثر تسخيراً لآلاته الإعلامية والأمنية، وربما يكون مرد ذلك لقناعة راسخة لديه بأهمية ورقة الأقليات في لعبة المجتمع الدولي، وفي تقديم نفسه كنظامٍ علماني ديمقراطي، محارب للإرهاب وحامٍ للأقليات وضامنٍ للتعددية. وربما يكون من المفيد في هذا السياق طرح النقاط التالية:

  • حقيقة أن الأقلية جماعة من مواطني الدولة، ومن ثم فإن جميع الصفات الأخرى تقع في دائرة هذه الحقيقة الموضوعية. وحقوق الأقليات لا يجوز أن تتعارض مع حقوق المواطنة، ولا تتحقق هذه الحقوق في ظل حكم الطغمة الحاكمة، بل تتحقق في ظل الدولة الوطنية التي تلتزم الحياد الإيجابي إزاء كافة الأديان والطوائف والأيديولوجيات وتحمي الإنسان السوري أياً كان دينه أو عرقه أو جنسه أو محمولاته.
  • إن قوام الوحدة الفعلية هو التعدد والتنوع والاختلاف والتعارض، وشتان بين معالجة مسألة الأقليات من منطلق الوحدة ومعالجتها من منطلق التجزئة والتذرير واستخدامها لتبرير القتل والتدمير.
  • كانت الأكثرية عبر تاريخ سورية حاملةً للمشروع الوطني، وكان هذا المشروع ومازال بوابة الأقليات للاندماج الوطني، وإن الطغمة التي تقتل السوريين لا يمكن أن تكون حامية إلا لنفسها ولمطامعها ولممارساتها التسلطية.
  • إن المنطق الذي يدّعي أن للأقليات الدينية أو للأكثرية الدينية صوتٌ سياسي واحد، وبالتالي يمكن تمثيله بأفراد أو تجمعات، هو منطق سطحي وساذج وخطير لأنه يشذ عن أبسط حقوق التعبير السياسي، ويخلط بين الانتماء السياسي المُعرَّف بدلالة دولة وطنية، وبين الانتماء الثقافي والديني الذي يندرج في سياق المجتمع المدني الذي يتعدد ثقافياً ودينياً وأيديولوجياً ولكن يندمج وطنياً على المستوى السياسي.
  • تخلق فكرة حماية الأقليات بشكلها المتداول ضبابية وإشكالات على طريق المواطنة والديمقراطية والاندماج الوطني، ومن الضروري تجاوز عقدة الأقلية والأكثرية لصالح اندماج وطني همّه الأساسي حماية الإنسان السوري والحفاظ على حقوقه وحريته وكرامته. فالاندماج الوطني يقوم في معارضة مفاهيم الصهر والتذويب والتمثل، فهو مؤسس على المبدأ الديمقراطي، مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون، والسعي إليه هو بالضرورة سير نحو الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة.
  • هناك رؤية معيقة للاندماج الوطني، تتعامل مع الأقليات، والإثنيات والطوائف، على أنها هويات ثابتة وماهيات وجواهر مُعرّفة بذاتها. وتتغذى هذه الرؤية من خلال اعتبار العرق أو الدين أو المذهب هوية ومرجعية، وافتراض النقاء والتجانس فيها، ومرد ذلك إلى ضبابية الدلالات والمفاهيم وانتفاء الحدود، لا بين الأصل والهوية فقط، ولا بين الديني والسياسي فحسب، بل بين جميع مجالات الحياة السياسية والاجتماعية المختلفة، وكذلك انتفاء الحدود بين الدولة والسلطة، وبين الدولة والمجتمع المدني.
  • مفهوم العلمانية يعني حياد الدولة الإيجابي اتجاه كافة الأديان والأيدولوجيات، وخطاب الطغمة الحاكمة الذي يدّعي العلمانية، بدلالة اقترابه من مجتمعات الأقليات، ليس إلا كذبة من جملة أكاذيب وأدعاءات، فلا يمكن لنظام الحزب العقائدي الواحد الذي يُقدّس الفرد ويُصادر الدولة أن يكون علمانياً.
  • تبدأ الحرب ضد الإرهاب من محاربة الفكر القاتل أياً كان حاملة، والتحليل الذي يتم الترويج له اليوم، وخصوصاً بين صفوف الأقليات الدينية، الذي يضعهم بين خياري داعش أو النظام هو تحليلٌ سخيف ولعبة ساذجة تدحضها الحقائق جميعها، فلا يترعرع الإرهاب في سورية إلا في أحضان ذهنية خنق الحريات ومصادرة حقوق الإنسان.

وبالنتيجة، على أبناء ((الأقلية)) التخلي عن التفكير الذي يستند إلى منطلقات أقلوية تجعل صاحبها يشعر بالحاجة الدائمة للتمييز والحماية، وتحمل في عمقها ما يشبه العقدة التي تقف عائقاً أمام الاندماج الوطني. وبالمقابل على أبناء ((الأكثرية)) احتضان المشروع الوطني وجعله دائماً باباً مفتوحاً للعبور نحو الوطنية والمساواة السياسية التي لا تقيم وزناً للدين أو الإثنيات أو الجنس أو المحمولات الشخصية، وتعلي من شأن الإنسان السوري بصفته سورياً فحسب.

189 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *