في الرد على مقالة “علويّو المعارضة السّوريّة”


عزام أمين

 

نشرت صحيفة الحياة في الثالث والعشرين من نيسان الحالي، مقالةً لحازم صاغيّة بعنوان “علويّو المعارضة السّوريّة”، تطرَّق فيها الكاتب بجرأةٍ إلى ظاهرةٍ تُعتبر من أكثر الظواهر حساسيّةً وإثارةً للجّدل في الشّارع العربي بشكلٍ عام، والشارع السوري على وجه الخصوص، ألا وهي ظاهرة الطّائفيّة.
ما تناولته بالعرض هذه المقالة هو، بالضبط، ظاهرة تخوين المعارضين العلويّين، والتشكيك بهم، وهو ما أطلق عليه الكاتب بالحتميّة الطّائفيّة التي تضع العلويَّ ضمن “قوقعة طائفية” لا يمكنه الخروج منها، أو لا يريد الخروج منها. وهذه الظّاهرة موجودة عند مجموعةٍ من الأفراد تدّعي المظلوميّة، وهم من المسلمين السُنَّة كما أشارت المقالة، وإن بشكلٍ ضمني.

والحقُّ يُقال، تستحقُّ هذه الظاهرةُ الدراسةَ، والتّفكيك، والتّنبيه إليها وإلى مخاطرها، وهو ما حاول صاغيّة القيام به في مقالته. ولقد وصف بدقّةٍ وبعلميّة هذه المظلوميّة السُّنية المتمثّلة بلبس ثوب الضّحيّة، وخطابها التشكيكيّ القائم على الحتميّة الطّائفيّة. فبمجرد أن ينزِع الأفرادُ إلى تصنيف عالمِهم الاجتماعي إلى “نحن” و”هم”، أي “وحدنا كلّنا” ضدّ “هم كلهم”، بلغة حازم صاغيّة سينحو هؤلاء الأفراد، بشكلٍ شعوريٍّ أولا شعوريٍّ، إلى التّماهي مع جماعتهم وإضفاء طابعٍ مثاليٍّ ينضح بالحق والخير والجمال عليها، فيما الطرف الثّاني “هم كلهم” سيتمُّ إلباسه ثوب الجلّاد بكلّ ما للكلمة من معانٍ ورموز.

وفي المجمل العام، المقال لا غبار عليه، لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون، إلّا في خاتمته، حيث يقول الكاتب: “وفي الأحوال جميعاً، إذا صح أن ضعف الدور العلوي في الثورة شهادة على طائفة نجح النظام في تخويفها واستنفار مشاعرها الأقلية، فإن الضعف ذاته شهادة لغير مصلحة الثورة التي لم تنجح في تبديد تلك المخاوف. والأمور ينبغي أن تُرى دوماً بعينين اثنتين أُعطيتا لنا”. فصحيحٌ أنّ ضعف الدّور العلويّ المُفترض هو شهادةٌ على نجاح النّظام في تخويف هذه الطائفة واستنفار شعورها الأقلّوي، ولكن هل يجب علينا أن نضع المسؤوليّة على النّظام والثورة معاً، وعلى القدر نفسه من المساواة، وذاك لأنّ الثّورة لم تنجح في تبديد هذه المخاوف؟، وهل يمكن لأيّ ثورةٍ في العالم، مهما كان من يقودها، أن تنجح في تبديد مخاوف من يشعر بأنّه أقليّة؟.

في الواقع، ليست المشكلة في وجود العلويّين كعلويّين، ولا المسيحيّين كمسيحيّين، ولا الدّروز كدروز، ولا الاسماعيليّين كإسماعيليين، وإنّما في شعورهم الأقلّوي. فهذا الشعور المترافق بالإحساس الدائم بالخطر والتّهديد يشكِّل هاجساً يوميّاً يؤدّي إلى خوفٍ عميقٍ يصل حدَّ الفوبيا من الأكثريّة السُّنّيّة، ومن عودتها إلى الذاتيّة الاسلاميّة الموسومة دائماً في اللّاشعور الجّمعيّ بالسّلفية والتَّطرّف. مَن يشعر بأنّه أقلّيّة يخاف من التّغيير، ويخاف من المجهول، لأنّه يشعر بأنّه ضعيفٌ، ولربّما هذا التّغيير سيؤدّي إلى الأسوأ. وهذا ما يفسّر لنا ردود فعلهم المعادية للثّورة بشكلٍ عام، و”جهوزيّتهم” للتّجاوب السّريع مع خطاب النّظام الطائفي، وتقوقعهم على ذاتهم ورفضهم للحوار وتماهيهم مع سلطة النّظام، ليس دفاعاً عن النّظام وحباً به، أو نتيجة مكاسبَ سياسيّةٍ واقتصاديّة قد حققها لهم (فهذا النظام لم يكن يوماً نظاماً للطّائفة العلويّة أو المسيحية أو الدرزية أو الاسماعيلية)، وإنّما خوفاً من التّغيير بعينه، مهما حاول القائمون على مشروع التغيير طمأنتهم.

 

فالشّعور الأقلّوي يترافق دائماً بقلقٍ وجوديٍّ عام، ويُشكِّل حاجزاً نفسيّاً لا واعياً يُعيق تبنّي هُويّة وطنيّة شاملة، وإحساساً بالمواطنة سابقاً للإحساس بالانتماء لأقليّة، سواء كانت طائفيّة أو إثنيّة، ويؤدي بالأفراد إلى التّصرّف كمجموعةٍ مُتراصّةٍ، مُنغلقةٍ على نفسها، في أوقات الأزمات والاضطرابات تجاه مخاوف أمنها الذّاتي وقلق الضياع، فيُبدِّل الفرد هُويّته الشخصيّة بهُويّة الجّماعة، ويردُّ على تهديد أمنه الذّاتي بتشييد نرجسيّةٍ جماعيّةٍ متعاليةٍ مبنيّةٍ على وهم. لذلك نجد في خطابهم أنّ الآخر الذي يُهدِّد وجودهم (على الأغلب من المناطق السُنِّيّة الثّائرة) متخلّفٌ، ويُرمز إليه في أغلب الأحيـان بمُفرداتٍ من مثل “رعاع”، أو “أبناء العشوائيات”، أو”همج عاطلين عن العمل”، أو “متخلّفين يلبسون الجلابيّات لا يفهمون معنى الحرّيّة”، ينخرون جسد الأمــة ويدنّسون طهارتها ونقاءها.

وأمّا غياب الشّعور الأقلّويّ، فهو يعطي الفردَ إحساساً بالحُرّيّة، وبأنّه قادرٌ على ملء أيّ فراغٍ يريده، والمشاركة مع من يريده دون خوف. ولا خلاص لنا كسوريّين ولا تطور اجتماعيّ نهضويّ سيتحقّق في سورية، دون تخلّص الأقلّيّات من شعورها الأقلّوي، والانطلاق نحو المواطنة، باعتبارهم أيضاً حاملين لمشروع التّغيير. فلا يمكن لأقلّيّاتٍ منغلقةٍ على أوهامها ومخاوفها أن تكوّن داعمةً لمشروعٍ وطني. ولا يمكن لها مهما عَلَت درجةُ وعيها أن تضع انتماءها الطّائفيّ الأقلّويّ خلف الوطني، ومن الصّعب على من يشعرُ بأنّه “أقلّيّة طائفيّة” أن يتحرّر أو يحيد -على الأقل- من المنظور الأقلّوي في إنتاجه الفكري والثقافي والسياسي عن انحيازه الطائفي. ولكن بالمقابل أيضاً، لا خلاص لسوريا إلا بتخلّص الأكثريّة من الخطاب الطّائفي السُّنّي، ومن شعور أصحابه بالغُبن والظلم والابتعاد عن تقسيم المجتمع السوري لـ”نحن” الأكثرية السُنية المُضّطَهَدة، و”هم” الأقلّيّة المُضطهِدة، فهاتان الـ”نحن”، والـ”هم” تكونان في كثيرٍ من الأحيان عبارةً عن وهمٍ لا أسس واقعيّة له، وتؤدِّيان إلى نتائجَ كارثيّة على الجميع.

446 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *