هل يكفي نظام سياسي بديل؟


سمير سعيفان

 

انشغل ناشطو الربيع العربي بالسؤال عن طبيعة النظام السياسي القادم بديلا عن الأنظمة المستبدة التي انتفضت شعوب تلك البلدان ضدها، ولكن هذا السؤال تراجع بعد أن دفعوا بربيع كل من ليبيا واليمن وسوريا باتجاه الحرب الأهلية، و دفعوا ربيع مصر إلى العودة إلى نظام مبارك، بينما حقق ربيع تونس بعض التقدم، رغم عودة قوى نظام بن علي لتلعب دوراً رئيساً، ويبقى الارهاب ، والذي يبدو انه يحصل على دعم كبير خفي من قوى خفية، سيفاً مسلطاً فوق رقاب كافة هذه التجارب.

رغم ذلك فقد عاد الناشطون السوريون مؤخراً لطرح هذا السؤال بعد بدء مفاوضات جنيف 3 بين وفدي المعارضة والنظام، وبروز تصميم دولي على الوصول إلى حل سياسي في سوريا خلال هذا العام، عادوا للتساؤل عن شكل الدولة وطبيعة النظام السياسي القادم ومحتوى الدستور والنظام الرئاسي والبرلماني والانتخابات  وطبيعة العلاقة بين المركز والمحافظات الخ، وقد حرضت خطوة حزب البي يي دي وإعلانه عن  “كيان مصطنع” غايته اقتطاع جزء من سورية تحت شعار الفيدرالية، حرضت هذا الحوار ودفعته للأمام.

غاب عن هذه الأسئلة ويغيب السؤال عن طبيعة النظام الاقتصادي القادم، الذي يمس في النهاية فرص العمل والدخل والتعليم والصحة والسكن وغيرها من جوانب حياة الناس.

لا أحد يتبنى اليوم أسس النظام الذي قام في سوريا منذ 1963 ذاتها، فقد اتسم ذاك النظام بالعجز عن تحقيق نمو اقتصادي  وبالفساد لصالح “رأسمالية الأهل والأصحاب” تحت مسمى نظام اشتراكي وقيادة قطاع عام. أما بالنسبة لكثيرين فالبديل هو السوق الحرة والخصخصة وانسحاب الدولة وعدم تدخلها الخ فهو الرائج عالمياً اليوم في أسواق التنظير الاقتصادي، ولا يحتاج الأمر لنقاش كثير، فهؤلاء يرون أن توفير كل اسباب النجاح أمام القطاع الخاص الراسمالي بدون اية قيود وعراقيل وتقديم كل الدعم له هو الكفيل بتحقيق نمو اقتصادي وتكبير الكعكة بحيث تصل حصة كافية أو مرضية للجميع بشكل طبيعي بدون حاجة لتدخل في عمل السوق، ويرون أن التنمية الاقتصادية ستنعكس حتماً على الجميع ويتحقق تنمية بشرية لأن كلا التنميتين مترابطتان. لذا هم يطالبوا باتباع وصفة السوق الليبرالي والنظر لمؤشرات تنمية معدلات نمو الإنتاج و الناتج ومتوسط دخل الفرد ومعدلات نمو الادخار والاستثمار وفرص العمل الجديدة وزيادة الصادرات من السلع والخدمات وغيرها، أي كل  ما يعزز “النمو  من أجل النمو” المدفوع بالسعي المسعور نحو الربح، دون إعارة اي  اهتمام للتفاوت.

في الواقع الدعوة الليبرالية هذه تعيدنا مرة أخرى للمربع الأول لأن التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية ليستا مترابطتان. فكافة تجارب العالم الثالث تثبت أن الوصفة الليبرالية لا تنتج النمو، بينما تؤدي الى سوء كبير في توزيع الدخل وتنتج تفاوت كبير بين قلة الأغنياء وكثرة الفقراء، ويصبح المجتمع دائرتين مغلقتين، إحداهما صغيرة تنغلق على الثروة والتعليم والصحة والرفاه، وأخرى كبيرة تنغلق على الفقر والمرض والأمية.

لأن التنمية البشرية لا تترابط حكماً بالتنمية الاقتصادية، وأن ثمة حاجة ملحة لاتباع سياسات تعزز انعكاس التنمية الاقتصادية على التنمية البشرية كي تشمل اوسع قطاعات المجتمع، بدأ برنامج الأمم المتحدة للتنمية منذ 1990 يصدر تقريراً سنوياً عن التنمية البشرية في العالم كما بدأت بلدان كثيرة تصدر تقاريرها عن التنمية البشرية الوطنية. وتشمل هذه التقارير قياس وتحليل العديد من المؤشرات مثل: مؤشر التعليم ومدى وصوله الى اوسع قطاع ومعدلات الأمية، ومؤشر الصحة وخدماتها ومتوسط العمر عند الولادة، ومؤشر تمكين النساء وقياس الفروقات بين الجنسين، ومؤشر التفاوت في الدخل بين فئات المجتمع ومعدلات الفقر والفقر المدقع والفقر متعدد الأبعاد، ومؤشر انتشار وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي، ومؤشر إطلاق ثاني أكسيد الكربون ومؤشر الحريات السياسية والمدنية. وتزداد المؤشرات بين عام وآخر، وجميعها تقيس الى اي مدى يتم احراز تقدم في التنمية البشرية وتحسين مختلف جوانب حياة المجتمع على النطاق الشعبي الواسع.

إن استهداف قيام نظام سياسي بديل، هو سؤال أساسي لأنه يعني سيادة الشعب ويعني الحريات العامة في التنظيم والتعبير ويعني تمكين المجتمع المدني الخ، ونعبر عن كل هذا اختصاراً ب “المجتمع الديمقراطي الحديث”، ولكن استهداف إقامة نظام سياسي بديل وحده لا يكفي لإقامة “مجتمع ديمقراطي حديث”، بل لا بد من استهداف الجزء المكمل وهو: النظام الاقتصادي البديل، وتحديد واضح لأسسه ومحتواه وطبيعته وسياساته.  فالديمقراطية السياسية شرط لازم ولكنه غير كاف، ولا بد من ديمقراطية شاملة، أي مبدأ “شمول الديمقراطية” لمختلف جوانب المجتمع بحيث تتكامل الديمقراطية السياسية مع الديمقراطية الاقتصادية والديمقراطية الاجتماعية.

إن قياس مؤشرات التنمية البشرية لا تكفي لوحدها لتحقيق ديمقراطية اقتصادية، فهذا قياس للنتائج، بينما المطلوب قياس العوامل التي تنتج هذه النتائج.

لتحقيق تنمية مجتمع تشاركي يقوم على اقتصاد السوق وحرياته المعروفة، لا بد من تنمية حجم ودور وحصة مؤسسات وشركات اقتصادية خاصة تشاركية وتعاونية صغيرة ومتوسطة وكبيرة، تعمل وفق قواعد اقتصاد السوق، مملوكة من أعداد كبيرة من صغار المساهمين والمتشاركين، إلى جانب شركات نقابية يملكها نقابيون في نقابات عمالية ونقابات مهن علمية، وشركات تملكها البلديات والمنظمات الأهلية المحلية والتي تدار جميعها وفق قواعد اقتصاد السوق، وكل هذا يوسع قاعدة الملكية ويوسع قاعدة توزيع الناتج على أوسع شريحة بدلا من حصر الملكية وعائدها في يد عدد قليل من الأيدي، إلى جانب دور تدخلي ذكي للدولة  تضع البنية التشريعية والتنظيمية المناسبة لتنمية “مجتمع ديمقراطي شامل”، على ضوء ما تقره المؤسسة التشريعية المنتخبة ديمقراطياً “البرلمان”، كما تسهم الدولة مباشرة في النشاط الاقتصادي بقطاع عام يعمل وفق قواعد اقتصاد السوق كمكمل وليس كمنافس للقطاع الخاص، إلى جانب مجتمع مدني قوي قادر على المراقبة والمحاسبة من خلال مؤسسات الديمقراطية السياسية. وبالطبع كل هذا دون الدعوة لحظر أو منع نشاط القطاع الخاص الرأسمالي، ولكن بالمنافسة معه.

ذكرت التفاصيل القليلة السابقة حول أسس نظام اقتصادي بديل، كي أقول: أن البدائل الأخرى ممكنة، وأن السؤال عن طبيعة النظام السياسي القادم والديمقراطية السياسية لا بد ان تكتمل بالسؤال عن الديمقراطية الاقتصادية التي تتكامل مع الديمقراطية السياسية لإنتاج مجتمع ديمقراطي شامل.

فبما انها بداية جديدة فلتكن شاملة وعادلة، إذ لا يجوز أن تتركز نتائج كل هذه التضحيات في ايدي قليلة مرة أخرى.

 

 

 

 

175 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *