عن دور أميركي في انقلاب فاشل


طريف الخياط

لقد عاشت مراكز القرار الدولية والإقليمية، ليل الجمعة الفائت، ساعات طويلة حُبست فيها الأنفاس، إلى أن بدأت بوادر انفراج الأزمة، في تركيا، تتكشف رويدًا رويدًا؛ فقد كانت المحاولة الانقلابية، في ذلك البلد المحوري، زلزالًا سياسيًا مفاجئًا، كاد أن يعصف بالتوازنات في المنطقة، أو ينحدر بها إلى مزيدٍ من الفوضى. ومزيدُ الفوضى في بلد بحجم تركيا، عسكريًا واقتصاديًا، وموقعها وتحالفاتها وارتباطاتها، يعني دخول الشرق الأوسط في مجهول، لا يمكن التكهن بنتائجه ومخاطره على صعيد السلم والأمن الدوليين.

 

من المتوقع أن تثير أهمية الحدث وحيثياته سيلًا من التكهنات، والتساؤلات عن احتمالات تورط أياد خارجية، لم تجد، في حزب العدالة والتنمية، الشريك الأمثل في تنفيذ أجندتها؛ فما إن بدأ الضباب ينحسر، حتى بدأت الشكوك تحيق بتورط، أو صلات أميركية، في محاولة الإطاحة بحكومة إسلامية منتخبة، ووجدت هذه الاتهامات -أيضًا- ما يدعمها في الخطاب الرسمي التركي، تلميحًا أو مباشرة، بدءًا من وزير العمل والأمن الاجتماعي، الذي رأى أن طموحات أميركا وخططها كانت وراء المحاولة الانقلابية، ورئيس الوزراء الذي قال: إن “الدولة التي تقف إلى جانب غولن، ليست صديقة لنا”، بل وذهب إلى حد عدّها في حالة حرب مع أنقرة، وصولًا إلى أردوغان، الرئيس التركي، الذي حصر اتهامه بالجسم الموازي داخل الدولة، في إشارة واضحة إلى جماعة الداعية، فتح الله غولن، المقيم في أميركا.

 

ليس غولن ببعيد عن الحدث، وعلى الرغم من نفيه وإدانته للانقلاب، إلا أن مشاركة ضباط، تفيد التقارير بأنهم من مواليه، يجعل من تورطه أمرًا محتملًا بدرجة جيدة. وليس سرًا، أن الصراع الإسلامي-  الإسلامي محتدم على أشده في تركيا، بين حزب العدالة والتنمية من جهة، وجماعة غولن المتنفذة في مؤسسات الدولة وأجهزتها، بما فيها القضاء والشرطة، وإلى درجة ما في الجيش، من جهة أخرى. وكانت الحكومة التركية قد بدأت، منذ عامين ونيف، عملية تطهير تدريجي لمناصري الجماعة في أجهزة الدولة كافة، ويبدو أن الخطر الملم بها، أي: الجماعة، قد بلغ درجة تجعل مزيدًا من التآكل في نفوذها، في المؤسسة العسكرية، يفضي إلى نقطة اللاعودة؛ وذلك عبر تغييرات مرتقبة في الجيش كانت ستطال مناصريها.

 

لغولن أسبابه ودوافعه؛ كي يقف خلف انقلاب سيئ التوقيت؛ إذ إن شعبية الرئيس التركي، ومن خلفه حزب العدالة والتنمية جيدة، وإن لم تكن في أوجِها. ولم يتزامن الانقلاب مع حركات احتجاجية في الشارع، لها مطالب واضحة ضد الحكومة، كما أن الحزب الحاكم، كان قد نجح في تحشيد الأتراك خلفه، في مواجهاته مع إرهاب حزب العمال الكردستاني والإرهاب الداعشي، وهي عوامل مهمة نتج عنها رفض شعبي للانقلاب؛ ما ساهم في تقويضه.

 

لكن ذلك يختلف -بالتأكيد- عن الحسابات الأميركية، التي من المفترض أن تأخذ في حسبانها احتمال فشل الانقلاب، وانكشاف تورطها في تدبيره؛ وبالتالي، إفساد علاقاتها الهامة مع تركيا في هذه المرحلة الحساسة، وكما كشفت الأيام السابقة، فإن الجيش التركي ليس منيعًا ضد التصدع والانقسام على نفسه، وهو أمر لو حصل، كان ليغرق البلد في فوضى، قد تنذر بكارثة دولية. فتركيا اليوم لاعب رئيس وشريك في التحالف الدولي، في سورية والعراق المضطربتين، وهي عضو مهم في حلف الناتو، وحجر زاوية في الجهود الجارية لاحتواء الصعود الروسي، كما أنها تقبض بيدها صمام تدفق المهاجرين إلى أوروبا، ومن البديهي، أن مزيدًا من الجفاء في العلاقات بين واشنطن وأنقرة، وهي بكل الأحوال فيها ما يكفي من التوتر، سيعرقل الجهود الجارية في مواجهة الدولة الإسلامية، وقد يدفع تركيا لموازنة علاقاتها، بعيدًا عن الناتو. كما أن الفوضى فيها تعني إغراق أوروبا بالمهاجرين، وتعزيز فرص تفكك الاتحاد، وبالنسبة لواشنطن، فإنها لن تحتمل مزيدًا من الاضطرابات في الاتحاد الأوروبي، المثقل بمشكلاته الاقتصادية، والذي لم يفق -بعد- من صدمة البريكست (خروج بريطانيا من الاتحاد).

 

على الرغم من اختلاف الأولويات في سورية، بين تركيا والولايات المتحدة، في ما يخص “داعش” والأسد، ودعم أنقره فصائل لا تفضلها واشنطن، ودعم الأخيرة فصائل كردية في سورية، تربطها تركيا بتهديدات لأمنها القومي؛ فإن تبعات فشل الانقلاب على العلاقات بين الطرفين، أو على استقرار تركيا، يتجاوز -بشكل كبير- أي مكاسب قد تحققها الإطاحة بحكم حزب العدالة والتنمية في تركيا، كما أن واشنطن، والتي لا تزال تلاحقها لعنة دعم الانقلاب على حكومة مصدق، عام 1953، في إيران، قد لا ترغب في أن يرتبط اسمها بمحاولة انقلابية جديدة في المنطقة.

 

لعل أول تصريح لوزير الخارجية جون كيري، في الساعات الأولى للانقلاب، والذي اقتصر على الأمل بالسلام والاستقرار والاستمرارية في تركيا، قد ساهم بتغذية الشكوك بتورط أميركي محتمل، لكن الغموض والالتباس اللذين يمكن استشفافهما من كلام كيري، سمات تفرضها ضبابية تلك اللحظة وخطورتها، حيث التزمت دول كثيرة الصمت، أو أبدت حرصها على استقرار تركيا، أو دعت إلى حل دستوري، وتجنب سفك الدماء، كما صرح سيرغيه لافروف، وزير الخارجية الروسي، فحجم تركيا والملفات الهامة والمشتعلة التي تُمسك بها، يجعل استقرارها أمرًا بالغ الأهمية لأي من الدول التي تشاركها ملفات حساسة، ويمنع الأخيرة من استعداء أي نظام، يستطيع أن يحكم قبضته على أعلى هرم السلطة ويحافظ على استقرار البلاد. وبالأخذ في الحسبان، أن أهمية تركيا تفوق -بمرات- أهمية مصر؛ فإنّ الولايات المتحدة لم ترغب -ربما- بتكرار خطئها في توتير العلاقات مع نظام السيسي، بُعيد استيلائه على السلطة؛ لتضطر إلى التراجع، والتطبيع معه لاحقًا. صحيح أن “أحدًا” لن يحزن، إن تمت الإطاحة بأردوغان، لكن ذلك يبقى مبررًا غير كاف لدعم انقلاب.

 

من جهة أخرى، فإن للرئيس التركي وحزبه مصلحة كبيرة في الاستثمار سياسيًا باتهام واشنطن، وهو ما نفته الأخيرة بشدة على لسان وزير خارجيتها. فتصويب الشبهات نحو الأخيرة، يمكن حكومة العدالة والتنمية من التلويح بالربط بين مصير التعاون القائم في ملفات عديدة وتسليم الداعية فتح الله غولن، وبالتالي اختبار الضغط على الولايات المتحدة لتحقيق ما تطالب به أنقرة منذ مدة طويلة. كما أنه يطلق أيادي أردوغان، ويزوده بالمبررات المطلوبة، كي يشن حملة تطهير واسعة على كل المناوئين في مؤسسات الدولة عمومًا، وفي الجيش خصوصًا. ويبدو أن الحملة قد طالت أيضًا صفوف الضباط المقربين من واشنطن، في محاولة تهدف على ما يبدو للحد من صلات الأخيرة بهذه المؤسسة التركية الحساسة، كما بدا في حصار قاعدة أنجرليك واعتقال قائدها، والتحييد المستمر حتى اللحظة لرئيس الأركان خلوصي أكار، المقرب من واشنطن، والذي اعتقله الانقلابيون في وقت سابق. وجدير بالذكر، أن واشنطن سارعت على أثر التطورات في تركيا وتصاعد الانهامات ضد غولن، بطرح إمكانية تسليمه إلى السلطات التركية، وهو أمر يمكن اعتباره، إن حصل، مؤشرًا مهمًا. فمن المستبعد أن يتم تسليم صندوق أسرار، إن كان يحتوي، ضمن ما يحتويه، إدانه لحامله.

 

لقد تم احتواء زلزال تركيا، لكن آثاره قد ألحقت، بلا شك، ضررًا بالغًا بالدولة ودورها الإقليمي الراهن. فحملة التطهير الواسعة والتي أطاحت بالآلاف في الجيش وأيضًا في الشرطة والقضاء، كرد فعل متوقع على الذعر والاضطراب الذي تعانيه الحكومة، ستضعف الجيش التركي، وستنشغل أنقرة الآن بحل مشكلاتها الداخلية، وقد تنكفئ إلى حد كبير نحو ترتيب البيت الداخلي. ويبدو قائمًا خطر تحول البلاد إلى نظام أكثر تسلطية، إذ لن يجد أردوغان من يقف في وجه طموحاته الشخصية التي أضرت حتى بحزبه. وبعد أن بذلت واشنطن جهدًا دبلوماسيًا مهمًا، في تسوية العلاقات بين أنقرة وكل من موسكو وتل أبيب، تجد نفسها الآن بحاجة إلى تخفيض التوتر في علاقتها مع تركيا، والتعامل مع دولة في حالة بارانويا أمنية.

 

أيا كانت النتائج، يمكننا القول بأن ما حصل هو أهون الشرور بالنسبة لسوريا والسوريين. ففي حال كانت الأوضاع قد اتجهت إلى استقرار حكم عسكري انقلابي في تركيا، فإن مصير ما يقارب من ثلاثة ملايين لاجئ سوري يقيمون على أرضيها، وإمدادات السلاح إلى الفصائل التي تقاتل الدكتاتور، كان مفتوحا على سيناريوهات كارثية. ليس أقلها، فقدان الثورة شريانها الرئيس الذي يمدها بالحياة، والرئة التي يتنفس عبرها السوريون الهاربون من الحرب وويلاتها.

 

المصدر

2 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *