كثيرٌ من الجدل قد يضر


مضر الدبس

يُولَدُ المعنى غامضًا، ثم تنداح غمامته، ويُروِّض نقاشُ الملتبسِ الغامضَ في المعنى على التبدُّد. وبقدر ما تتعدد المرجعيات، وتختلف دلالاتها نسبة إلى الأطراف في الحوار؛ ستتهيأ ظروف انفلات الدلالة، وانزلاقها في متاهات الغموض، قبل أن تُظهر المعنى. وهذا طبيعي، ما دمنا قد اتخذنا قرار تعطيل رقابة المنظومة الاجتماعية التقليدية، والنظام السياسي الاستبدادي، التي يفرضانها -بحكم بنيتيهما الفكرية- ضد الغموض؛ ذلك أن النظرة التقليدية السلطوية التي يشتركان فيها تفرض -بالقوة- مرجعيةً واحدةً على المُبتكر والمتلقي، الأمر الذي لا ترتضيه المجتمعات الحرة لأفرادها، وتكتلاتها المجتمعية والسياسية، ولا يستطيع الصمود أمام تفنيد الأفكار المعاصرة،التي أنجزت شيئًا من التقدم على مستوى احترام الحريات، واحترام الأفراد وخياراتهم.

إن الخيار المنهجي الحر، يُجِبُّ البداهةَ في الأفكار جميعها، ويصاب بشغف السؤال والشك، ويؤمن بأن اليقين ما ظل الشك يحرسه من اليقين، كما يؤمن بأن السؤال شرفُ المعرفة، وضمن هذا السياق تُؤلف حالة الالتباس في الموقف، من صورة الفكرة في الممارسة، أو من صورة الكلام في المخيلة؛ تصورًا بأن هناك بديلاً للصورة: أي تؤلف منهجيةً تؤمن بأن للمفاهيم سيرورة تَشكُّل مستمرة لا تتوقف عند حدٍ معين.

الحكم بـ “عدم التوقف عند حدٍ معين” هو ما سنضع صحته، موضع شكنا في سياق هذه المقالة.  فالملتبس، إذًا، هو ذلك الشكل المركب، الذي يتضمن قيمتين فكريتين معينتين أو أكثر، حيث في الوهلة الأولى، عند التعامل معه، قد نفكّ معنى معيّنًا، وفي الوهلة الثانية نفكّ آخر، أو يتضمن الملتبس أكثر من معنى واحد، ويكون المعنى الثاني بديلًا، بالأهمية نفسها أو أكثر أو أقل، والسير في نقاشٍ حول الملتبس سيرٌ نحو التطور والعمق الفكري، ويصبح هذا النهج أكثر أهمية -بتقديرنا- عند التعامل مع المفاهيم المستوردة، التي لم تصنعها مجتمعاتنا، ولم تُعايش تشكلها التاريخي وسيرورة نضجها؛ حيث تهيمن على مقارباتنا لها، ذهنيةُ الجَد الذي يقيم فينا وينادينا.

هذا -على سبيل المثال- ما يجعل بعضنا يصنع من فيلسوفٍ أوروبي ملتحٍ (كارل ماركس) شيخًا سلفيًا أو صوفيًا، نلتزم طريقته ولا نحيد عن تعاليمه، وننذر وقتنا لـ (التبشير بعقيدته)، وهذا ما يصنع من الدولة أدلوجة (إسلامية أو علمانية أو بعثية أو قومية.. إلخ).

في النتيجة؛ يحقق الالتباس استمرار سيرورة تعاقب الأفكار، والمخيلة في اكتشافها للمعاني المتضمنة والمبتكرة، وتبعًا؛ سيزداد الإنسان رفاهية ووعيًا بذاته وبمحيطه، وستضطر مخيلته إلى تفعيل ذاتها وقدراتها -لتتمكن من الانتقال من نمط إلى نمط آخر- وهكذا تكون سيرورة التعامل مع المفاهيم، فيكون هدف المفكر أو السياسي -المُرسِل- هو جذب مخيلة المتلقين -المُرسَل إليهم- إلى سيرورات متعاقبة، في اكتشاف الأنماط.

ولكن؛ نستدرك ما لا يصح -باعتقادنا- هذا الطرح من دونه: يتعين علينا القيام بتعطيل واعٍ لسيرورة الالتباس، قبل أن تنزلق معاني التكوين الفكري ودلالاته في متاهة الغموض.

بمعنى آخر؛ يتعمق المفكر والسياسي المتميزان في استحداث معانٍ متعددة، تؤلف كلٌ منها مجالَ تعمقٍ واكتشافٍ جديد، ولكن، يجب أن يمتلكا ذلك الوعي الحسي والمعرفي، الذي يجعلهما مدركين للحد الذي يجب التوقف عنده، قبل أن يتحول الالتباس إلى غموض، فالغموض يؤدي إلى إرباك الوعي، ولذا يُعطِّلُ الحوارَ الذي يُرضي دلالات الحاجة المركبة، وينقل الوجود إلى حالة الرفض والارتباك. ولا قيمة للمفاهيم إذا لم تتدثر بواقعية تزفها للنفس وللعقل.

فالغموض إذًا؛ يمكن أن ينتج عن جهدٍ فكري، فاض عن الحاجة الواقعية، وانزلق -رغم حسن نواياه- في تعطيل الدلالة وتثبيط الفهم. ويمكن تتبع الكثير وملاحظته في هذا الغموض والانزلاق، في متاهات عبثية في حوارات السوريين -ضمن الوسط المحدد في بداية المقالة- حول المفاهيم الحديثة والمحورية كالحرية، والديمقراطية، والفيدرالية، والسلطة، والدولة…إلخ.

لذلك يجب ضبط حدود الالتباس، وتطوير المقدرة على تطوير الحس والمعرفة، الضروريين لرؤية الحد الأعلى الفاصل، بين إمكانية الالتباس الناتج عن انتشار الفكر الحر، والغموض الناتج عن استمرار الالتباس خلف هذا الحد.

نخلص إذاً؛ إلى أن التوقف عند حد معين في نقاش، وتوضيح المفاهيم المتداولة، أمرٌ ضروري، ونعتقد أن هذا التوقف، يتيح لنا فرصة نحت مفاهيم جديدة وتشكيلها، لتناسب واقعنا الجديد.

في سورية اليوم واقعٌ فريد، يقتضي نمطَ تفكيرٍ فريد، وابتكار مفاهيم جديدة تستند إلى هذا الواقع، لتكون أدوات فكرنا الوليد.

 

المصدر

3 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *