توصيف البدوقراطية في الفكر والسياسة


مضر الدبس

كيف يتحول شخصٌ ما من عضو في الحزب الشيوعي السوري، إلى خوريّ في كنيسة صغيرة في قريته؟ كيف يتحول مثقف يساري معارض، ينتمي إلى عائلة علوية، إلى رجل أمنٍ بعد الثورة؟ كيف يتحول مثقف علماني ديمقراطي، ينتمي إلى عائلة سنية، إلى مؤيدٍ للنصرة بعد الثورة؟ كيف يمكن الجمع بين لقبي عضو عامل في حزب البعث، وشيخ دين درزي أو إسماعيلي؟ لماذا أغلب الذين يحملون حرية المرأة شعارًا، يضطهدون أخواتهم وزوجاتهم وبناتهم؟ كيف نتعلم -بمهارة- التعامل مع سيارة حديثة “فل أوبشين”، وفي الوقت نفسه، لا نتعلم احترام قواعد المرور؟ كيف لا نستغني عن الكهرباء، ولكن لا نقبل الحداثة منظومةً متكاملة؟

كثيرةٌ هي الأسئلة التي يمكن طرحها في السياق نفسه، والحقيقة إنْ ألحت على الأذهان، نتحمس للإجابة عنها أحيانًا، ولكن غالبًا ما نعدّها طبيعية لا تحتاج إلى إجابة.

هذا النوع من الأسئلة يُحيّر المنطق البسيط، حيث إنها غامضةٌ في وضوحها، وواضحةٌ في غموضها، فلا يمكن أن نغامر بالواضح المُريح العادي؛ لأجل المُضّمَر المُتعِب غير المألوف، وفي هذا النهج -بالتحديد- يكمن السكون من حيث يتحرك التاريخ، ويولد التأخر، ويشتد عوده مع الزمن، الزمن الذي يمضي بدوره، ويترك خلفه مجتمعًا مُفوّتًا، يقبع البدوي ثاويًا في أعماق الذهنية التي تحكم نظرتنا إلى الحياة بالعموم. هذا حكمُ واقع، منهجه تحليلي استقرائي عمومي. يمكن الوصول إليه عن طريق تفحص ما يحدث بين النظرية ومخرجاتها، في السياسة والاجتماع العربيين عامة.

أذكر أنني أيام المدرسة، كنت هاربًا دائمًا من درس التربية القومية الاشتراكية، وكنت أعوّض عن ذلك بقراءة الكتب السياسية، وسألتني جدتي مرّة: ماذا تقرأ؟ فطفقت أشرح لها رأس المال ونظرية ماركس ولينين والنظرية الشيوعية، وفي النظرية الليبرالية والحكم والعدل والعقد الاجتماعي وتداول السلطة، وأستعرض -بفخرٍ- ما يعرفه طالبٌ في المرحلة الثانوية خارج منهجه الدراسي، وبعد كل الفخر والشرح، قالت جدتي: ما أُخرِج آدم من الجنة إلا بالسياسة، إنها الخطيئة الكبرى؛ ثم أضافت، وهي تهز رأسها: من يعلمك الفذلكة المميتة هذه يا ولد؟ كيف اهتديت إلى الخطيئة بهذه السن الصغيرة؟ ركّز في ما ينفعك، عساك أن تكون طبيبًا أو مهندسًا يا ولدي. قالت ذلك بمحبةٍ وإيمانٍ صادقين؛ استعاذت بربها من وسواسِ خاطرةٍ تُباغتها، وهي ترتب لحفيدها غده المنتظر، فقلما كان الأجداد يشكّون، كانوا يقينيين فحسب، يصدقون أو لا يصدقون، يقبلون أو يرفضون، يُقبِلون أو يدبرون، يحبون أو يكرهون، وكانوا يُسمّون ذلك “مبدئية”؛ للآباء سلطة مطلقة عليهم، وللشيوخ، وللمعلمين كذلك. إن هذا النوع من السلطة هو الذي انتقل إلينا مع التراث، فأصبح من السهل -مثلًا- أن نقبل بأن يكون رئيس الجمهورية هو الأب القائد.

بتصغير الصورة قليلًا؛ للاقتراب من حقل الفكر والسياسة أكثر، نجد أننا-الأحفاد- بقينا مخلصين لهذه “المبدئية”، فكنا مخلصين للوعي المحلي في زمن الوعي الحديث؛ أخذنا النظريات الحديثة، وأوكلنا شرحها للبدوي الثاوي في أعماقنا التاريخية (أردناها تاريخية؛ لأنها لم تتصالح مع التاريخ والتراث في عصر العولمة والخلخلة والاكتساح وثورة المعلومات والتواصل)؛ فكان ماركس وكانط وروسو ونيتشه شيوخًا بلحًى، يشبهون الخوري والإمام والمكي والسايس وأصحاب السلطة كافة، السلطة كما هي في وعينا المحلي الساكن، لا كما هي في إطار الوعي الكوني المتغير؛ وفي الحقيقة، ليست الوطنية وشمًا لخريطة الوطن على الذراع، وليس الخلاص في تعليمات فقيهٍ يحذرنا من مغبة انتهاك فتواه، ونحن نستطيع أن نحب فتاة أخرى، ولا نخشى على مقولة “ما الحب إلا للحبيب الأول”، وليس للسياسة من علاقة تربطها بقراءة الطالع في الفنجان؛ وعليه، نضع توصيفًا مكثفًا للبدوقراطية في النقاط التالية:

– هروب منظم من أسئلة مضمرة في النفس والعقل.

– بناء تصورٍ للكون والعالم استنادًا إلى وعي محلي ضيق.

– الطاعة العمياء لأصحاب السلطة، وعدم القدرة على التفريق بين احترام الرأي، وبين تبنيه والدفاع عنه، من دون التفكير فيه.

– الذهنية الإيمانية التي تنظر للنظريات السياسية كافة، والفلسفية عامةً، كما لو أنها عقائد دينية.

– عدم التمييز الموضوعي بين الفكرة وصاحبها، والحكم المطلق والعام على أشخاص في الوقت الذي يكون فيه القصد نقاش أفكارهم ومقاربتها؛ وبالتالي، تكون نتيجة الحوار تخوينًا، فعراكًا، فحربًا، فمجزرة.

– صفين والجمل ونهروان مجازر متكررة عبر التاريخ، من دون عبرة.

– عدم الالتفات إلى مفاعيل الزمن، وتجاهل دوره في التغيير.

– استخدام منهجيات وأدوات قديمة في مقاربة مفاهيم حديثة.

– انفصام الشخصية الناجم عن تبني ماديات الحداثة، ورفضها كمنظومة فكرية فلسفية.

– وأخيرًا، انتقاص من قيمة المرأة ومصادرة حريتها الإنسانية، والأنكى أنها تعدّ أروع المديح في أن يقال لها: “أخت الرجال”؛ فالأمهات يتقنّ شهواتهن الأثيرة في صناعة “الرجال”.

 

المصدر

14 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *