قراءة في الحدث التركي


خضر زكريا

يطرح فشل محاولة الانقلاب العسكري التي جرت في تركيا، ليل 15 ـ 16 تموز/ يوليو 2016، واستُخدمت فيها الطائرات الحربية والمروحيات والدبابات، وغيرها من صنوف الأسلحة، عددًا من التساؤلات، ويثير كثيرًا من التكهنات.

 

لعل أول الأسئلة وأهمها: لماذا فشل الانقلاب؟ وفي الجواب عن السؤال، طُرحت آراء كثيرة، منها: عدم التخطيط الجيد للانقلاب (عدم تحييد قطعات الجيش الأساسية كافة، عدم اعتقال كبار المسؤولين في الدولة والحزب الحاكم؛ ما أفسح المجال لحشد أنصار الحكومة لمواجهة الانقلابيين)، ومنها قدرات أردوغان الشخصية، وتحسّبه المسبق لاحتمال وقوع الانقلاب، ومنها قوة الأجهزة الأمنية التركية، وولاؤها شبه المطلق للحكومة، ومنها وقوف قادة عسكريين كبار، ومنهم قائد الجيش التركي الأول، ضد الانقلاب منذ بدايته… إلخ.

 

لعل بعض هذه الأسباب، أو كلها، صحيح. ولكن، ماذا لو لم يقف الشعب ضد الانقلاب؟ ماذا لو لم يخرج الناس، بعشرات ومئات الآلاف، من بيوتهم طوال الليل؛ ليقفوا في وجه دبابات الانقلابيين، ويصعدوا عليها، ويُنزلوا منها الجنود؟ ماذا لو لم يتمدد بعضهم بجسده أمام الدبابات؛ لمنعها من التقدم باتجاه أهدافها؟ أعتقد -جازمًا- أن هذا هو العامل الحاسم، في إفشال الانقلاب العسكري، فالشعب التركي هو من أفشل الانقلاب، وحقق هذا الانتصار العظيم للديمقراطية، على محاولة العسكر التحكم بمصير البلاد.

 

هل هو انتصار للديمقراطية حقًا، أم هو انتصار لرجب طيب أردوغان، الذي حاول بعضهم، في بعض مراحل العملية الانقلابية، أن يتهمه بتدبير العملية؛ لكي يتمكن من تحقيق السيطرة المطلقة على الجيش، ومؤسسات الحكم التركية كلها؟

لا يخامرني شك في سعي أردوغان إلى فرض سيطرته على مفاصل السلطة السياسية في تركيا، وفي أنه يرى في هذا شرطًا للاستمرار في النهج الذي اختطه حزب العدالة والتنمية، منذ تسلمه السلطة عام 2002، والذي أدى إلى تنمية، واسعة النطاق، في جميع قطاعات الاقتصاد التركي، وإلى ارتفاع حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لتركيا، أكثر من ثلاثة أضعاف، خلال أقل من خمسة عشر عامًا.

 

لكنني أرى أن ما حدث، سيعزز دور الشعب التركي وأحزابه ومنظماته المدنية الأخرى، بل سيؤكد للحزب الحاكم، ولأردوغان شخصيًّا، أن مصدر شرعية الحكم وقوته واستقراره هو الشعب ومؤسساته الديمقراطية، وفي التجربة التركية الحديثة كثير مما يؤكد هذا الدور الذي يلعبه الشعب، وتكفي الإشارة -هنا- إلى تلك التظاهرات العارمة في ساحة تقسيم، وشارع الاستقلال، رفضًا لأحد مشاريع الحكومة في إقامة مجمع تجاري/ سياحي مكان حديقة “غِزي” الجميلة، الملاصقة للساحة الشهيرة؛ ما أفضى إلى تراجع حكومة العدالة والتنمية عن المشروع، وعلى الرغم من إعادة طرح المشروع، خلال الأشهر الأخيرة، إلا أن الحكومة لن تعمل على تنفيذه ضد إرادة الشعب.

 

والأحزاب التركية المعارضة، وليس الحزب الحاكم وحده، أدركت خطورة نجاح الانقلاب على الحياة السياسية في تركيا برمتها؛ فوقفت -كلها- ضد المحاولة الانقلابية، وأكدت على تعزيز الديمقراطية ومؤسساتها، حتى حزب الشعوب الديمقراطي، الذي تتكون غالبية أعضائه من الأكراد، والذي اتهمت الحكومةُ بعض قادته بالعمل على تقويض وحدة تركيا، وتماسك شعبها، أعلن معارضته للانقلاب، ووقوفه مع الحكومية الشرعية. لقد أدركت تلك الأحزاب أن شعبًا تنسم رائحة الحرية لسنوات طويلة، لا يمكنه أن يقبل إعادة دكتاتورية العسكر.

 

إن هذا ليس انتصارًا لشخص، ولا لحزب، ولا لحكومة، إنه انتصار لشعب شجاع، تشبّع بروح الديمقراطية، والتزم بالعلمانية التي وضع حجر أساسها كمال أتاتورك، وأظهر استعداده التام للتضحية بكل شيء؛ لحماية نظامه الديمقراطي. وهو، إلى جانب ذلك، انتصار لشعوب الأرض جميعًا، بهذا البرهان الساطع على أن إرادة الشعوب لا تُقهر، وبأن الأجساد العارية، يمكن أن تَقهر الدبابات عندما تتحد، وعندما تصمم على الدفاع عن حقوقها، ومكتسباتها حتى النهاية.

 

ألا يذكرنا هذا بثورة الشعب السوري العظيم؟ ألا يذكرنا بتلك الملايين التي ملأت شوارع المدن السورية وساحاتها، طيلة أشهر من عام 2011، مطالبة بالحرية والكرامة؟ ولكن! لماذا انتصر الشعب التركي، ولم ينتصر الشعب السوري حتى الآن؟

السبب الأساسي يكمن في الوحشية التي تعامل بها جيش الأسد مع الشعب الأعزل. صحيح أن بعض العسكريين من الانقلابيين في تركيا أطلقوا النار على المدنيين، ونكّلوا بهم، لكن هذه كانت حوادث فردية محدودة، حيث تقول المعطيات إن مجموع من قُتل أثناء المحاولة الانقلابية من مدنيين وعسكريين لم يتجاوز 300 شخص؛ ذلك أن ضباط الجيش التركي وجنوده تدرّبوا في إطار النظام الديمقراطي، وتربوا على أن الشعب هو صاحب السلطة العليا، وأن مهمة الجيش الدفاع عن الدولة ضد الاعتداءات الخارجية، وليس الدفاع عن النظام الحاكم ضد معارضيه. أما بعض ضباط جيش الأسد وجنوده وشبيحته فقد تربوا، خلال خمسة عقود، على عقيدة (الجيش العقائدي)، التي تعني -في واقع الأمر- أن مهمة الجيش هي حماية النظام الحاكم، حماية الحزب الحاكم في البداية، ثم حماية الطغمة العسكرية والأمنية الحاكمة، وفي المآل حماية القائد الفرد، الذي ظلوا ينفخون فيه، حتى بدا للعسكريين ورجال الأمن أنه الإله المعبود، الذي لا يُعصى له أمر، حتى لو كان الأمر إطلاق الرصاص الحي على الآلاف من أبناء الشعب العزل، أو تدمير الأبنية على رؤوس ساكنيها، أو حتى قتل الآلاف بالأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة.

 

هل نحتاج إلى مزيد من التفسير لحالة الابتهاج والتهليل الهستيري، التي انتابت شبيحة نظام الأسد وأجهزة إعلامه، وحتى بعض “فنانيه”، خلال الساعات الأولى من المحاولة الانقلابية في تركيا؟ الأمر لا يتعلق -حسب- بالفرحة لاحتمال التخلص من الحكومة التركية، التي وقفت مع الشعب السوري في ثورته ضد نظام الاستبداد والفساد، وإقامة حكم يعمل على استمرار ذلك النظام، بل يتعلق -بالدرجة الأولى- بالرغبة في إقامة وتعزيز الأنظمة العسكرية الدكتاتورية، المشابهة لنظام الأسد، في جميع أرجاء المنطقة، وفي تركيا، الدولة الكبيرة المجاورة بالذات، في تأكيد مقولة تلك الأنظمة بأن شعوب منطقتنا “لا تستحق الديمقراطية”، وليست مؤهلة -بعدُ- لبنائها.

 

المصدر

1 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *