بين الثورة والمعارضة


خضر زكريا

ب

جوابي عن هذا السؤال أن في سورية ثورة من أعظم الثورات في التاريخ المعاصر، وهذه الثورة متواصلة حتى تحقيق أهدافها، على الرغم من كل ما حدث ويحدث في أثناء مسيرتها من ظواهر تغطي أحيانًا على جوهرها.

فالثورات العظيمة لا تحقق أهدافها بين يوم وليلة، ولا في سنوات قليلة. والتاريخ الحديث والمعاصر عرف ثورات دامت عقودًا حتى آتت أكلها. الثورات صيرورات متواصلة، تحتاج سنوات طويلة لتتبلور، عبر كثير من المطبات والتراجعات والإخفاقات، فضلًا عن النجاحات؛ فكيف إذا جاءت في منطقة تتكالب عليها دول العالم الكبرى ودول الإقليم، وتُستخدم فيها كل الأسلحة والوسائل لإفشالها.

تتحدد الثورة، أي ثورة، بأهدافها، وبقواها المحركة، وببرنامج عملها، وبقياداتها.

أ – حددت الثورة السورية أهدافها منذ البداية: إسقاط نظام الاستبداد والفساد، وإقامة نظام ديمقراطي تعددي، يقوم على حكم القانون والمواطنة المتساوية لجميع السوريين، بغض النظر عن انتماءاتهم المذهبية أو الطائفية أو الإثنية أو المناطقية أو غيرها. وقد تجلى هذا في الشعارات الرئيسة التي رفعها الشعب الثائر منذ الأيام الأولى للثورة، تلك الشعارات التي ركزت على الحرية والكرامة ونبذ الطائفية والتشرذم، في وجه نظام أهدر كرامة الناس، وقمع أبسط حرياتهم، وكرس النزعات الطائفية والولاءات المناطقية والشخصية.

ب – أما القوى المحركة للثورة السورية، فهي الشعب السوري بجميع فئاته وطبقاته ومكوناته، باستثناء القلة القليلة المتحكمة برقاب هذا الشعب، أو المتنفِّعة من نظام الاستبداد والفساد. لقد ملأ مئاتُ الألوف من السوريين ساحاتِ المدن والبلدات السورية وشوارعَها لأشهر عديدة، قبل أن يبدأ النظام الدموي الوحشي بإطلاق نيران أسلحته الفتاكة على الشعب الأعزل، بل تواصلت المظاهرات الشعبية تواجه آلة القتل في بعض المناطق أشهرًا طويلة. وتستمر أشكال المقاومة الباسلة حتى اليوم من آلاف الناشطين الذين يواجهون الاعتقال والتعذيب حتى الموت، ومن مئات الآلاف الذين يواجهون الحصار والتجويع حتى الموت أيضًا.

ج – لم يكن للثورة في بدايتها برنامج عمل محدد؛ ذلك أنها انطلقت عفويًا بتأثير ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وغيرها من الدول العربية، ولم يكن مخططًا لها من حزب أو حركة سياسية معينة. لكن جهات مختلفة عملت على وضع مثل هذا البرنامج تدريجيًا، وقد تعددت الخطط والبرامج التنفيذية المقترحة؛ للوصول إلى تحقيق أهداف الثورة، تبعًا لتطور الأحداث من جهة، ولطبيعة المؤسسات التي تضع تلك الخطط والبرامج من جهة أخرى، وقد حدث مثل هذا الأمر في كل الثورات الكبرى في التاريخ، حيث تتعدد المواقف ووجهات النظر، وتتصارع الجماعات المختلفة، لكن الثورة في النهاية تنتصر، وفي سيرورة انتصارها يتم الفرز بين الغث والسمين، وتتحدد برامج العمل والخطط الملائمة لكل مرحلة من مراحل الثورة.

د – لعل أبرز مشكلات الثورة السورية تكمن في الجهات والأشخاص الذين يتنطحون لقيادتها، أو يركبون موجتها؛ لتحقيق أغراض بعيدة كل البعد عن أهداف الثورة؛ فخلال أكثر من خمس سنوات، تكونت مؤسسات ادّعت تمثيل الشعب السوري الثائر، لكنها فشلت في ذلك، أو تخبطت بين نجاح محدود هنا وفشل ذريع هناك، كما تشكلت منظمات متطرفة تدعي حمل لواء الإسلام، وترفع شعارات طائفية لا علاقة لها بشعارات الثورة السورية، وسيطرت على مناطق واسعة من الأرض السورية، ومارست أعمالًا لا تمت للثورة بصلة من قريب أو بعيد. وهذه كلها تدّعي معارضة نظام الأسد وتقاتل ضده.

استند عدد من الكتّاب والمحللين إلى هذه الوقائع للقول بأن الثورة انتهت، أو توقفت، أو خُطفت، أو انحرفت، أو، في أحسن الحالات، كان هناك ثورة لكنها لم تعد موجودة. ما أود تأكيده -هنا- أن الثورة شيء، والمعارضة شيء آخر؛ فليس كل من يُعارض النظام أو يُقاتل ضدّه يُعدّ ثائرًا. وفي مسيرة الثورة الطويلة يتم التمييز بين الثوار الحقيقيين، ومن يحاول ركوب الموجة. وتعثّرُ، أو حتى فشل، المؤسسات السياسية التي تمثل الثورة، أو تدعي تمثيلها أو قيادتها، لا يُعدّ نهاية للثورة أو فشلًا لها، كما أن سلوك الفصائل المسلحة المختلفة تجاه سكان المناطق المحررة لا يمثل -بالضرورة- خط الثورة، بل إن ممارسات الفصائل المتطرفة (داعش وأخواتها) تمثل إساءات بالغة للثورة، ومعوقات في طريق تحقيق أهدافها.

الثوار هم أولئك الذين ما زالوا يواجهون الحصار والقتل بصدورهم العارية، ويصرون على شعارات الثورة الداعية إلى الحرية والكرامة وإلى وحدة الشعب السوري، ضمن إطار المواطنة المتساوية، هم أولئك الذين ينشئون، بالطرق الديمقراطية، المجالس المحلية المدنية؛ لإدارة شؤون مناطقهم بالوسائل المتواضعة المتوافرة لهم، فيشغلون المستشفيات والمراكز الصحية، ويطورون المؤسسات التعليمية بمختلف مراحلها، ويعملون على ضمان حصول الناس على حاجاتهم الأساسية.

والمقاتلون الذين يدكون حصون النظام الوحشي في سعيهم لفك الحصار عن الأطفال والنساء والشيوخ، يساهمون في مسيرة الثورة، بغض النظر عن انتماءاتهم المذهبية أو الأيديولوجية.

والمفكرون والكتّاب والمثقفون الذين يواكبون مسيرة الثورة، وينبهون إلى أخطائها ومطباتها، والذين يضعون الخطط والبرامج السياسية والاقتصادية والثقافية التي تحدد خط سير الثورة ومستقبلها هم مكون أساس من مكونات الثورة السورية.

غير أن الثورة أكبر وأوسع نطاقًا من كل هؤلاء، إنها تلك المسيرة الطويلة التي ستضم الشعب السوري كله، وتذيب في بوتقتها الاختلافات الثانوية لصالح الأهداف الكبرى المشتركة، وتلفظ كل من يعيقها أو يحاول حرفها عن مسارها الصحيح. أما المعارضة، بكل مكوناتها وأطيافها وفصائلها، فهي مجرد أدوات تجربها الثورة وتستخدمها في بعض مراحل تطورها، وصولًا إلى دولة المواطنين المتساوين الأحرار.

 

المصدر

5 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *