بين أكل العنب وقتل الناطور


نادر جبلي

نقاشات مطولة ومفصلة حول المسألة الكردية في سورية، جرت في برلين يومي 13 و14 من آب الفائت، في إطار لقاء حواري نظّمه مركز حرمون للدراسات المعاصرة، وضم عددًا من الشخصيات الفكرية والثقافية والسياسية السورية، نصفها تقريبًا من الأكراد.

سعى اللقاء إلى البحث عن المشتركات بين طروحات الحضور، من عربٍ وكرد، للبناء عليها؛ بهدف توفير مُناخ إيجابي، وتقريب وجهات النظر بين الجانبين، لكنني لم أشعر (وكنت من المشاركين) بأن اللقاء أصاب نجاحًا، يستحق الذكر، في مسعاه الطيب والمهم والضروري هذا، أو أن النقاشات تركت في الأذهان أثرًا إيجابيًا يمكن البناء عليه مستقبلًا، ولم ألاحظ أن أحدًا تحدث في نهاية اللقاء بشيء مختلف عما تحدث به في بدايته، مع أن الحضور كان من النخبة الديمقراطية الأكثر انفتاحًا.

من غير المنطقي -طبعًا- توقُّع نتائج ملموسة من لقاء حواري، يناقش مسألة وطنية على هذه الدرجة من الصعوبة والتعقيد، لكن هذه المقالة تحاول القول: من الصعب تحقيق أي تقدم يستحق الذكر على صعيد النقاش أيضًا، طالما أن أحد طرفي النقاش، وهو الطرف الكردي، يتشبث بطروحات ومطالب مرتفعة السقف في غير زمانها، ولا يسعفها منطق أو وضع أو واقع، وطالما أن الطرف الآخر، العربي خصوصًا، يتعامل بتوجس وريبة مع تلك المطالب، مفترضًا -سلفًا- أن أصحابها يخفون أجندة انفصالية، وما مطالبهم -هذه- إلا خطوة في هذا الاتجاه. وبين هذا وذاك، وضمن بيئة مشحونة مسمومة، ووسط جعجعة “القومجيين” من الطرفين، تصبح إمكانية إحراز أي تقدم، أو اختراق في الحوار، ضربًا من المستحيل.

أقول: “الطرف الكردي” بشيء من الثقة، عادًّا الأكراد، على اختلافهم وخلافاتهم، موحدين تقريبًا تجاه هذه المطالب؛ وهذا ما لمسته -حقًا- من خلال عشرات اللقاءات التي جمعتني بفئات مختلفة منهم، خلال عمر الثورة، ومن خلال مئات المناقشات التي دارت بيني وبين بعضهم، في الفترة نفسها. وهذا ما لمَسَه أيضًا، ويُجمع عليه، جميع من أعرفهم من غير الأكراد.

وأقول: “الطرف العربي” بشيء من الثقة أيضًا؛ لأن معظم السوريين العرب، على اختلافهم وخلافاتهم، موحدون في نظرتهم وفهمهم لأبعاد وخلفيات المطالب الكردية، ويعدّونها خطوة كبيرة في مشروعهم الانفصالي، أتاحتها أحوال الحرب والنزاعات في المنطقة.

بدأت الظاهرة، ظاهرة رفع سقف المطالب تجاه شركاء الوطن، والتصلّب حيالها، بُعيد انطلاق الثورة، وضعف السلطة المركزية، وانهماك الجميع في هموم الاستحقاق الجديد والرهيب.

كانت مطالب الكرد -قبل الثورة- تقتصر على رفع الظلم والتمييز الذي حاق بهم، خلال فترة حكم البعث، والتمتع بالحقوق الثقافية والسياسية، وبحقوق المواطنة، أسوة بباقي السوريين، وكانت جميع القوى والنخب والشخصيات الوطنية والديمقراطية السورية تقف إلى جانبهم، وفي مقدمتهم، في مطالبهم المحقة هذه، والتي هي مطالبها أساسًا، لكنْ بُعيد انطلاق الثورة، بدأ الأكراد بالتمايز عن باقي السوريين بشكل واضح ومفاجئ، عبر التركيز على قضيتهم، وإعلاء شأنها، بوصفها القضية الرئيسة التي تستحق الاهتمام قبل غيرها، (بعضهم عدّها القضية المركزية في سورية)، وعبر إبراز فظاعة ما نالهم من مظالم؛ قياسًا على ما نال باقي السوريين، ووصلت مطالبهم، بحسب ما سمعته وقرأته عنهم في ملتقى برلين، إلى الإقرار، دستوريًّا، بحقوقهم القومية، بما فيها حقهم في تقرير المصير، الذي يعني عمليًا الحق في الانفصال، والاعتراف بالقومية الكردية كقومية أصيلة، وعدّ اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، على أن تكون اللغة الرسمية الأولى في المناطق ذات الأغلبية الكردية، والإقرار بأن النظام الفيدرالي هو النظام الأنسب لسورية، وأن الأكراد يقيمون في المناطق الكردية على أرضهم التاريخية التي تُعرف بكردستان الغربية، وأن يُشكّل هذا الاعتراف أساسًا، يتم الانطلاق منه لمناقشة القضية الكردية.

ومنذ بداية الثورة، بدأ أهلنا الأكراد، بمختلف تلويناتهم، بطرح مطالبهم على قوى وتنظيمات المعارضة في كل لقاء ومناسبة، وكان قبول الآخرين بها، أو بمعظمها، هو شرطهم للانضمام إلى الهيئات التي تزمع تلك القوى تشكيلها، مستغلين حاجتها إلى وجود المكون الكردي لتعزيز شرعيتها. فتؤجَّل القضايا الرئيسة التي التقى الناس من أجلها، ويدخل الجميع في بازارات المطالب الكردية، وغالبًا ما كان الأمر ينتهي بحَرَد الفريق الكردي، في مشهد مسرحي أصبح جزءًا من فولكلورهم.

ما الذي تغير بين عشية وضحاها؛ حتى قفز سقف المطالب الكردية إلى هذا المستوى؟ وما الذي جعل الأكراد يتوحدون حول هذه المطالب، ويتصلّبون حيالها؟

يبدو لي أن ثمة نقاط رئيسة ثلاث تفسر ذلك:

  1. التوجس: فتاريخ الأكراد الذي يزخر بالمظالم، خاصة تلك التي بدأت مع مجيء البعث عام 1963، واستمرت فصولًا طيلة حكمه، وعلى الرغم من أنها طالت جميع السوريين، فإنها طالت الأكراد بشكل مضاعف؛ هذا التاريخ، إضافة إلى جهود القومجيين الأكراد في الشحن والتعبئة بعد الثورة، إضافة إلى ردات فعل القومجيين العرب وأمثالهم، إضافة إلى بعض ممارسات التنظيمات الجهادية العدائية تجاه الأكراد؛ كل ذلك -مجتمعًا- يلقي بظلاله على طريقة تفكير الأكراد بمستقبلهم وعلاقاتهم، ويجعلهم ينظرون إلى شركائهم العرب نظرة توجس وريبة، ويفترضون أن حالهم في المستقبل لن يكون أفضل مما مضى، وأن مصيرهم لن يخرج عن إحدى صيغتين: إما حكومات قومية، كتلك البعثية سيئة الصيت، أو حكومات إسلامية تكفيرية إقصائية، كتلك التنظيمات سيئة الصيت، وأنهم سيعانون – في الحالتين- من التمييز والإقصاء ومصادرة الحقوق.
  2. الفرصة التاريخية: فالأكراد عمومًا يرون أن ثمة فرصة تاريخية متاحة أمامهم الآن للتقدم في مشروعهم/ الحلم، الكيان الكردي المستقل. فرصة خلقتها أحوال وتداعيات الحرب في سورية، وهي لن تتكرر بهذه الشروط، وعليهم تلقفها بكل قواهم، وتثبيت أمر واقع مختلف في علاقتهم مع باقي السوريين، ومع محيطهم الإقليمي، ومع باقي دول العالم؛ فنظام دمشق في أضعف حالاته، ولا يهتم إلا ببقائه، والمحيط العربي يتعرض لعنف مهول من النظام وحلفائه، ويعيش حالة ضعف واحتراب وانقسام وفوضى، والأتراك منشغلون بأزماتهم المتعددة مع روسيا والولايات المتحدة وأوروبا، إضافة إلى انشغالهم بتصاعد الإرهاب في ديارهم. وأميركا تخطب ودهم وتتحالف معهم عسكريًا لمحاربة داعش، وروسيا تدعمهم أيضًا؛ لأجل داعش، وربما للضغط على الأتراك، والنظام يغض النظر عنهم مبدئيًا، ويستغل نشاطهم وطموحاتهم في صراعه من أجل البقاء، على الرغم من غاراته الجوية على “مناطقهم” في الآونة الأخيرة، وما تلاها من عنف متبادل لبضعة أيام، والتي سببها -غالبًا- خروج صالح مسلم وفريقه عما هو متفق عليه، أو دخول الصراع في سورية وعليها مرحلة جديدة بشروط جديدة.
  3. التقية: فطالما أن القضية الرئيسة، التي تشكل الهدف والبوصلة لدى الأكراد، والتي توجه تفكيرهم وأداءهم، وتشكل المعيار الأول في تقييمهم للأفكار والأشياء، والأرضية لدخول أي نقاش، هي قضية الانفصال، وتشكيل الكيان الكردي المستقل، وطالما أن الإعلان الصريح عن هذه القضية، الهدف، غير ممكن في هذه الأوضاع، وهو يحتاج إلى وقت وتدرّج؛ لذلك، يتم إخفاء الهدف، والاستعاضة عنه -مرحليًا- بهذه المطالب والتشبث بها؛ فتصبح، وبحكم الهدف الذي تُخفيه، بمنزلة جدار سميك، يحول دون إحراز أي تقدم في الحوار.

كلامي أعلاه حول رؤيتي لخلفية الموقف الكردي لا يعني أنني أرى أن المطالب الكردية غير محقة بالمطلق، بل هي محقة في معظمها، وأنا من مؤيديها، فمن حق الأكراد وغيرهم أن يحصلوا على حقوقهم كاملة، ومن حقهم أن يَعترف الآخرون بمظالمهم، وأن يعملوا على ردّها، ومن حقّهم -أيضًا- أن يحلموا بمستقبلهم وبدولتهم، فالحلم مشروع، والحقوق أصبحت مكفولة بموجب شرائع دولية، لكن ما يعيب تلك المطالب، ويجرح أحقيتها، ويجعلها خلافية، هو توقيتها وطريقة طرحها وغياب شروطها الموضوعية؛ فالمطالبة بالفيدرالية مثلًا حق، وربما هي النظام الأفضل لمستقبل البلد، لكن فرضها بالغَلبة الآن، وفي هذه الأحوال البائسة، وبدون دراسة ونقاش وتوافق، يعني دفع البلاد نحو التقسيم، وفتح باب النزاعات على مصراعيه؛ وحتى الأكراد أنفسهم، يقفون عاجزين أمام أصغر سؤال عن شكل وطبيعة الفيدرالية التي يريدون، وحدودها الجغرافية والسياسية.

ثم ماذا على غير الكردي أن يفهم من مطالبة الكردي بالاعتراف بحق تقرير المصير الآن؟ وبأن الكرد يقيمون على أرضهم التاريخية المسماة كردستان الغربية؟

نقل الأكراد عمومًا، بأدائهم بعد الثورة، المحكوم بأجندتهم الكردية أولًا، الأزمة بينهم وبين السوريين عمومًا، وبينهم وبين المكون العربي خصوصًا، نقلة نوعية كبيرة، وأصبح التمايز بين المكونين بمنتهى الخطورة، وهو يزداد عمقًا يومًا بعد يوم مع التشبث بالمواقف، وانكفاء الأصوات الحكيمة العاقلة من الطرفين. والمؤلم أكثر في الموضوع أن كل ذلك عبثي ومجاني ومؤذٍ للجميع، فليس ثمة مستفيد، لا أكرادًا ولا عربًا ولا بلدًا، الكل خاسر، والأكراد على رأس الخاسرين. ولا يتطلب اكتشاف ذلك كثيرًا من العناء، وسيفهم الأكراد عاجلًا أم آجلًا أنهم لم يحسبوا خطواتهم، وأن بناءهم يقوم على أرض متحركة، وأن موازين القوى متغيرة، وأن ميِّزاتهم التفضيلية عند الآخرين إلى زوال، فمصالح الدولة التركية مقدَّمة على مصالحهم لدى كل أصحاب القرار في العالم، وخلافات تركيا مع الغرب وروسيا إن هي إلا سحابة صيف، وسرعان ما ستعود الأمور إلى مجاريها، وقد بدأت فعلًا، ودرس جرابلس بليغ لمن يريد أن يفهم. أما ضعف محيطهم العربي، فموقت ومحكوم بهذا الصراع، وسيذكر السوريون العرب جيدًا من تنكر لهم واستأسد عليهم في لحظات ضعفهم. أما الأميركي، فلن يلبث أن يتخلى عنهم، كما تخلى عن غيرهم، وهو يحتاج دماء أبنائهم الآن لمحاربة داعش حصرًا، وهو يصرح علنا أنه لا يدعم مشروعهم السياسي… فهل يستوعب أهلنا الأكراد كل ذلك، ويعيدون حساباتهم، قبل أن يتعمق الشرخ مع شركاء الوطن.

قضية الأكراد في سورية قضية وطنية عليا بامتياز، وهي قضية كل سوري يدّعي الوطنية، وحصول الأكراد على كل حقوقهم المشروعة حق طبيعي لهم وليس منّة من أحد، وليس مع سورية الجديدة، دولة القانون والحقوق والحريات والمواطنة، من ينكر أو يمنع حقًا مشروعًا لسوري آخر. لكن المعالجة الطبيعية والجذرية لتلك القضية تبدأ بزوال الاستبداد، والانتقال إلى تأسيس نظام الحكم الوطني الديمقراطي، وإقامة المؤسسات الوطنية المنتخبة. عندها فقط تُطرح جميع القضايا الوطنية، وتأخذ طريقها السليم في المعالجة، وتأتي الحلول بسلاسة، مهما كان شأنها، دون أحقاد وصراعات وغَلَبة وقهر.

أهلي الأكراد، إذا كنتم تريدون أكل العنب، فللعنب طريق ملائم وتوقيت ملائم، أما إذا كنتم تريدون قتل الناطور وتخريب الكروم، فهذا قراركم الذي ستتحملون وزره أمام أبنائكم وأمام التاريخ.

 

المصدر

7 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *