مُستقِبلات روسيا في الجسد السوري


مضر الدبس

انطلق في آذار/ مارس 2011، ممكنٌ حرونٌ، كثيرًا ما صُنِّف في خيار “الينبغيات غير الممكنة”. وبعد فترة وجيزة على انطلاقته المشرقة السلميَّة، بدأ السوريون الخوضَ في غمار حديثٍ كان يُعدّ من التابوهات، يقوم على التساؤل والتفكير والتوقع والتأصيل لشكل الدولة السورية الجديدة المقبلة بعد إسقاط النظام، أو الأصح بدأ السوريون -ولأول مرة منذ أربعين عامًا- يقتنعون بأن للتفكير في التغيير ما يبرره، وأن للشباب السوري الجميل ما يطمح إليه من كرامة وحرية وسعادة ورفاه، تلتقي مع حقوقهم المشروعة في طلب الحياة الحرة الكريمة، ومع تطور هذا المسار الثوري، والازدياد الطردي في المسار الانحداري المتمثل في تبني النظام خيار القمع والقتل؛ وصلنا إلى النقطة التي تتدافع فيها القناعات التالية حول شكل الدولة التي نريد: إسلامويون: يريدون “دولة الله”، إسلاميون: يريدون “دولة إسلامية”، حداثويون: يريدون “تأليه الدولة”، غرباء: يريدون “دولة الخلافة”، الشبيحة والمجرمون: لا يريدون دولة، الموالون للنظام: يريدون “دولة الأسد”، الهامشيون: يريدون عودة السلام وليس مهمًا شكل الدولة، المعارضة: لا تعرف أو لم تحدد ماذا تريد، وأخيرًا: سوريون: يريدون الدولة السورية.

باستثناء الخيار الأخير، نجد أن الخيارات جميعها تحمل واحدة أو أكثر من الصفات الثلاث العامة التالية: الصفة الأولى شبحية (من شبح)، أي ماورائية تبني كافة محاكماتها على المطلق: الله، وبالتالي تستعلي على المجتمع، وتحتقر القانون؛ لأنه وضعي وتتعالى على الوطنية. والصفة الثانية إجرامية: أي تتخذ من العنف والقتل والتعذيب والسجن والذبح والتخويف أنموذج حياة، تتصف بانعدام الأخلاق، تعدّ ما يحصل فرصة لا تفوت للنهب والكسب والثراء غير المشروع، بالقوة والمال تستعلي على المجتمع أيضًا، وبمحمولاتها “القاعية الدونية” تحتقر القانون؛ لأن احترامه وتفعيله يقف ضد مصالحها، ولا تعنيها الوطنية ولا تفهمها. والصفة الثالثة: لا مبالية ضعيفة، تتمايل بحسب اتجاه الهواء، منظومتها الأخلاقية والفكرية والاجتماعية ضحلة جدًا؛ فلا تدرك أهمية القانون ولا تعرف أن عذاباتها تنتج عن فقده، لديها عقدة الدونية لأنها في الأساس غير اجتماعية؛ فتستعلي في السر على المجتمع، وتنصاع بالعلن لاستعلاء الآخرين؛ ووطنيتها مشوَّهة. يمكن أن نستنتج مشتركات بين الصفات الثلاث وهي: الاستعلاء على المجتمع، احتقار القانون، الخواء المعرفي، والاستهزاء بالحالة الوطنية.

هذه العوامل مجتمعة (الشبحية، التشبيجية، اللامبالاة، الاستعلاء على المجتمع، احتقار القانون، الخواء المعرفي، الاستهزاء بالوطنية)، عندما تجتمع مع نظام حاكم، ضعيف بالمعنى السياسي، ولا يمتلك الحد الأدنى من الأخلاق، ويرى أن الوطن مزرعة؛ تشكل بمجملها مستقبلات داخلية جاذبة لأي تدخل خارجي ذي طبيعة “مافوية إجرامية”؛ لذلك من السهل تفسير انجذاب نظام “مافيوي” كنظام فلاديمير بوتين إلى الدخول والمشاركة في حفل الدم والإجرام والابتزاز في سورية، ومع أول نداء استغاثة أطلقه النظام الحالي. ربما لا يفسر هذا التحليل قدوم الروس بقدر ما يفسر فعالية هذا القدوم وتأثيره. هناك قاعدة في الصيدلة مفادها أن المادة الكيميائية (سمًا كانت أم دواء) عندما تدخل جسم الإنسان فإنها لا تكون فعالة، ولا يظهر تأثيرها إلا عن طريق اتحادها مع مستقبل داخلي في الجسم نفسه، وتثبيط هذا المستقبل يجعل دخولها غير فاعل وخالٍ من أي تأثير. لذلك لا يجب العمل على إقناع نظام مافوي كروسيا (ومن ينهج نهجها) أن يصبح إنسانيًا أو ديمقراطيًا، أو أن يتخلى عن إجرامه، بل يجب العمل على تثبيط واجتثاث مستقبلاته السورية الداخلية.

أفضل طريق لتحقيق هذا التثبيط هو بتفعيل الخيار الأخير: أن نكون سوريين، نريد أن نبني الدولة السورية فحسب، لا دولة الله أو دولة الدين أو الدولة العلمانية أو الدولة الإثنية أو الدولة الطائفية؛ بل الدولة السورية الوطنية؛ فهي الترياق المضاد لأغلب السموم التي تنخر في الجسد السوري.

يحتاج هذا البناء إلى العمل على المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، والأهم في هذه المرحلة هو المستوى التنظيمي، الذي يتطلب تنظيم السوريين في إطار جامع للخلاف، دون صهرهم، ودون أن يتغير شكلهم بل الاعتراف بالتمايز والاختلاف بأنواعه كافة على مستوى المجتمع المدني وضمن المجال الخاص، وتشكيل الجسم الموحد المتماسك على المستوى السياسي والدولة: أي في المجال العام. والبناء يتطلب بنائين مهرة، قادرين على نحت وتشكيل وإبداع الجديد الذي يتناسب مع الواقع، يغيّروه من دون أن يتعالوا عليه، ومن صفات البَّناء الناجح أيضًا أنه قد تخلص من الإرث الأيديولوجي وأنجز عملية تصالحه مع التراث واستوعب الحداثة.

 

المصدر

22 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *