شرعنة الاعتقال التعسفي في سورية


مهند البعلي

منذ اندلاع الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، مارس نظام بشار الأسد سياسة الاعتقال التعسفي، بحق مئات الآلاف من المواطنين السوريين، وقد ظلت هذه السياسة، إحدى أخطر الأدوات العقابية التي مُورست بحق الشعب السوري؛ فقد عمد النظام، ومنذ بدايات تفجر الأزمة السورية، إلى اعتقال عشرات الآلاف من الشبان، الذين شاركوا في التظاهرات السلمية ضده، وفق ما صرح به بشار الأسد في خطابه الثالث، بعد اندلاع الثورة، في 20 حزيران/ يونيو 2011، عن وجود 64 ألف مطلوب لـ “العدالة” في سورية.

وكان من الملفت أن هذه السياسة قد شهدت تطورًا نوعيًا، تناسب طردًا مع اتساع دائرة المشاركة الشعبية في الثورة، فبعد أن كان الاعتقال يستمر لأيام، أو بضعة أشهر، في أقصى الحالات، تحول الأمر، بعد حوالي ستة أشهر من عمر الثورة السورية، إلى حالة من الرعب الحقيقي، حيث بدأت تنتشر أخبار حالات الاختفاء القسري، والتي تحولت -في ما بعد- إلى الحالة شبه السائدة، ثم بدأت تتسرب قصص عن الموت تحت التعذيب الوحشي الممنهج في المعتقلات، والتي تأكد وقوعها بما عرف بملف القيصر، الذي يضم  55 ألف صورة، توثق استشهاد  11 ألف معتقل تحت التعذيب، في أقبية أجهزة الأمن السورية، وأصبحت تطول مدة الاعتقال؛ لتصل إلى سنوات، دون توجيه أي اتهامات قانونية، بل ودون أن تستند إلى أي مسوغ قانوني، وفي كثير من الأحيان، دون الإحالة إلى القضاء المختص؛ لتحريك الدعوى العامة، ومع تعمد أجهزة الأمن السورية، منذ البداية، عدم الاعتراف بوجود أي معتقلين لديها، وعدم السماح لعائلاتهم بالزيارة، أو التواصل معهم، كما لم تسمح لأي جهة وطنية، أو دولية حكومية، أو غير حكومية، من هيئات أو منظمات، بالاطلاع على حال المعتقلات والمعتقلين، وذلك على الرغم من آلاف المناشدات، والمطالبات المتكررة، والتي كان آخرها ما صدر عن مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، في دورته الاستثنائية السابع عشرة.

 

واستمر النظام السوري باتباع هذه السياسية، على الرغم من تناقضها مع القوانين التي سنها، أو عدلها، أو ألغاها، والتي صدرت جميعها عن رأس النظام، بموجب الدستور السوري لعام 1973 حينها، فبعد ما يزيد عن الشهر من تفجر الثورة السورية، تحديدًا في 22 نيسان/ أبريل 2011، أصدر النظام مجموعة من المراسيم، شملت إلغاء حالة الطوارئ، بالمرسوم رقم 161، والمرسوم التشريعي رقم 53، القاضي بإلغاء محكمة أمن الدولة، والمرسوم التشريعي رقم 54، القاضي بتنظيم حق التظاهر، والمرسوم التشريعي رقم 55، القاضي بتعديل المادة 17، من قانون أصول المحاكمات الجزائية، بإضافة الفقرة التالية إليها:

 

“3-  تختص الضابطة العدلية، أو المفوضون بمهامها، باستقصاء الجرائم المنصوص عليها في المواد، من 260 حتى 339، والمواد 221 و388 و392 و393، من قانون العقوبات، وجمع أدلتها، والاستماع إلى المشتبه بهم فيها، على ألا تتجاوز مدة التحفظ عليهم سبعة أيام، قابلة للتجديد من النائب العام، وفقًا لمعطيات كل ملف على حدة، وعلى ألا تزيد هذه المدة على ستين يومًا”.

 

من الجدير ذكره، أن المواد التي حددها تعديل المادة 17، من المادة 260، حتى المادة 339، هي الجرائم الواقعة على أمن الدولة، والواردة في الكتاب الثاني في الجرائم، من قانون العقوبات العام، البابان الأول والثاني، وهي جرائم المؤامرة، الخيانة، التجسس، الصلات غير المشروعة بالعدو، الجرائم الماسة بالقانون الدولي، النيل من هيبة الدولة، ومن الشعور القومي، جرائم المتعهدين، الجنايات الواقعة على الدستور، اغتصاب سلطة سياسية أو مدنية أو عسكرية، الفتنة، الإرهاب، الجرائم التي تنال من الوحدة الوطنية، أو تعكر الصفاء بين عناصر الأمة، النيل من مكانة الدولة المالية، الجرائم الواقعة على السلامة العامة، 221 إخفاء المجرمين، أو مساعدتهم على التخفي، 388 كتم جناية، 392 و393 اختلاق الجرائم والافتراء.

 

ما لا جدال فيه، أن تفويض صلاحيات الضابطة العدلية، إلى الأجهزة الأمنية السورية، بهذا الشكل، ينضوي على مخالفة صريحة، ومباشرة، للمبادئ التي يقوم عليها الدستور السوري، لا سيما مبدأ فصل السلطات، وهو تقويض آخر لاستقلال السلطة القضائية؛ لصالح السلطة التنفيذية، يضاف إلى ما يتضمنه قانون السلطة القضائية السوري، من نصوص، تسهم -بشكل مباشر- في هيمنة السلطة التنفيذية، وفي عدم حيادية ونزاهة القضاء، ودون الدخول في الجدل حول مدى تناقض هذه القواعد القانونية الإجرائية، مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، بما تنص عليه من وجوب ضمان عدم توقيف الأشخاص، إلا في حالات الجرائم المشهودة، وضمن مهل قانونية محدودة، وتحت رقابة القضاء، أو بموجب مذكرة قضائية، وعلى الرغم من صراحة النص، في عدم جواز تمديد مدة الاعتقال أكثر من ستين يومًا، وعلى الرغم من الانكشاف القانوني، بعد إلغاء حالة الطوارئ، إلا أن أجهزة الأمن السورية، لم تحترم هذه القواعد القانونية الصريحة والمباشرة.

 

لقد بات واضحًا، لأي مراقب حيادي، ازدياد حالات الاعتقال التعسفي، المستندة في معظمها إلى معايير طائفية، أو مناطقية، تؤلف هوية المعتقل، وذلك ضمن سياسة ممنهجة، تهدف إلى تحويل الصراع من ثورة شعبية، إلى حرب أهلية طائفية؛ فالبحث القانوني المعمق، يؤكد أن إلغاء حالة الطوارئ المعلنة في سورية، منذ العام 1963، وإلغاء محكمة أمن الدولة، وإصدار قانون لتنظيم التظاهر، لم تكن إلا خطوات إصلاحية شكلية، الهدف منها تلميع صورة النظام دوليًّا، ولم تكن الغاية -قطّ-البدء بعملية التحول الديمقراطي، أو الإصلاح السياسي، أو التشريعي؛ إذ إن التعديل الذي طال المادة 17، بهذا الشكل، أعاد للسلطات الأمنية سلطاتها التي خسرتها، مع رفع حالة الطوارئ، طالما أنها ظلت محمية بالمرسوم التشريعي رقم 14 لعام 1969، الذي يعفي عناصر هذه الأجهزة من الملاحقة القضائية، بسبب الجرائم التي يرتكبونها خلال مزاولتهم لأعمالهم، والذي مازال ساري المفعول، ولم يطله أي تعديل.

 

تشير بعض التقارير، إلى أن أعداد المعتقلين في سورية، وصلت حتى العام 2016، إلى أكثر من 215 ألف معتقل، وفق تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وعلى الرغم من هذا الرقم المهول، إلا أننا نعتقد أن العدد الحقيقي -في الواقع- أكبر من ذلك بكثير؛ بسبب عدم توثيق جميع حالات الاعتقال، إما لعدم توفر معلومات توثق الاعتقال، أو نتيجة عدم رغبة الكثير من السوريين بالإبلاغ عن حالات الاعتقال؛ بسبب الخوف من ردة فعل النظام الانتقامية، بحق المعتقل، أو بحق أفراد عائلته؛ فالاعتقال كان -وما يزال-  يتم بشكل مشابه لأعمال الخطف، حيث لا يُزود المعتقل، أو عائلته، بأي وسيلة للتواصل، أو بأي معلومات عن سبب، أو مكان، أو تاريخ، الاعتقال، أو عن الجهة المعتَقل لديها.

 

المصدر

3 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *