المجتمع والدولة نظرة من داخل الثورة


أيمن مراد

 

يحاول هذا المقال الإجابة على سؤال نراه سؤالاً مغيباً في المراحل السابقة, أو تمت الإجابة عليه دون طرحه بشكل واضح من جهة, وبشكل صحيح من جهة ثانية, والسؤال المقصود في هذه المقالة هو : أين كانت حوامل وحواضن العنف الحاصل الآن, هل كانت في بنية الدولة السورية, ام في بنية المجتمع السوري,أم في كليهما معاً ؟ .

يأتي هذا السؤال في سياق كثر فيه التهجم على المجتمع وكثر نقاده ورافضيه, في مرحلة هي من اخطر المراحل التي يواجهها المجتمع السوري حيث يشهد الآن حالات تكسر وتفتت اجتماعي واصطفافات يمكن لها أن تغرقه بمزيد من الحروب الداخلية التي لا نهاية لها .

وفي سياق يماهي ولا يفصل بين النظام والدولة, و هو سياق محق في اعتبار أن النظام تغول على الدولة والمجتمع معاً, لكن هذا لا يمكن أن يكون سبباً كافياً لعدم الفصل بين النظام والدولة كمنظومة مؤسسات تقوم بمهمة إدارة شؤون المجتمع. هذا السياق سياق عدم الفصل, هو سياق عفا بنية الدولة من النقد والتفنيد واكتفى بإدانة النظام المتوحش.

ويأتي أيضاً في سياق البحث عن أسباب العنف في الأنساق الفكرية السائدة, على اعتبار أن هناك انساقا فكرية أسست للعنف ودعت له واحتضنته, ومعظم الباحثين بهذا الاتجاه يتوجهون إلى مدارس الفقه الإسلامي ليدللوا على صدق استنتاجاتهم, متناسين أو متجاهلين أن التيارات الإسلامية تلتقي مع غيرها من التيارات الحداثية والمدنية والعلمانية واليسارية والليبرالية, في أنها جميعاً ترفض المجتمع وتدعو لتغييره, بل تستبطن العنف لتغييره.

في هذه السياقات تمت الإجابة على السؤال دون أن يطرح بشكل واضح وصريح, ومعظم الإجابات (إن لم يكن جميعها) تذهب باتجاه إدانة النظام دون المضي قدماً لإدانة الدولة, وتذهب باتجاه إدانة الفكر الإسلامي (السياسي منه بشكل خاص) مع المضي قدماً باتجاه إدانة المجتمع الإسلامي, دون التدقيق ما إذا كان هذا المجتمع الإسلامي حاضناً لفكر حركات الإسلام السياسي أم غير حاضن .

هذه السياقات الثلاث ساهمت بتصدير إجابة مسبقة على سؤال لم يطرح, أو بأقل تقدير لم يتم التدقيق بصيغة طرحه, فأتت الإجابات وكأنها بديهيات لا تحتاج إلى تدقيق مما ساهم بمزيد من التضليل والوهم.

باستثناء أربع سنوات -1954-1958- وبضعة أشهر أخرى, حيث استطاع المجتمع السوري أن يتفاعل فيها مع الدولة ومؤسساتها, وان يعبر عن نفسه تعبيرات اجتماعية وسياسية واقتصادية داخل بنية الدولة, باستثناء تلك الفترة لم تكن الدولة السورية دولةً على شاكلة مجتمعها, أو متفاعلة معه, أو معبرة عن ميول تطوره الطبيعية, بل كانت متخارجة معه, وتحاول أن تفرض عليه أشكال تطور ونمو ليست من إنتاجه وفي اغلب الأحيان لا تتناسب مع تطلعاته, ما أدى إلى حالة عداء مستحكمة بين الدولة والمجتمع, ظاهرة حيناً, ومستترة أحياناً.

لم تكن الدولة على شاكلة مجتمعها, إنما كانت على شكل النخبة التي أنتجتها وساهمت بقيادتها, فالدولة السورية لم تكن في أي مرحلة من مراحلها منتجاً اجتماعياً سورياً, إنما كانت من إنتاج نخبة غير متصالحة مع مجتمعها, ترى أن خلاص هذا المجتمع يكمن في تغيير بنيته, وهنا بالتحديد كانت أسباب احتضان الدولة لعوامل الحرب على مجتمعها.

في مسار بناء الدولة, وباستثناء المرحلة المشار إليها أعلاه, لم تشهد العلاقة بين الدولة والمجتمع مراحل سادت فيها الثقة المتبادلة, بل شهدت العكس, الريبة والشك والقلق المتبادلين, فالدولة لا تثق بكفاءة المجتمع الذي تصفه النخبة بأنه رجعي ومتخلف وجاهل, والمجتمع تسوده أجواء القلق من الدولة بسبب شعور جمعي عميق يدلل على عدم احترامها له.

المجتمع السوري ( الإسلامي) منذ بدايات تشكله (سايكس-بيكو) كان الإسلام حاضراً في جميع مستوياته, لكنه لم يكن في أي مرحلة من مراحله يرى أن حركات الإسلام السياسي تمثله, فهي الأخرى أيضاً استبطنت عدم احترامه وبالتالي استبطنت تغييره.

الأقليات الدينية والطائفية والقومية, لم يكن لديها خطاب مظلومية إلا بعد نهاية العقد الأول من حكم الأسد الأب, وأثناء الحكم العثماني, أما في المرحلة الوطنية فالأقليات كانت ذات تمثيل سياسي اكبر بكثير من حجمها الديموغرافي, وهذا سبب غياب خطاب المظلومية المرافق عادة للشعور الأقلوي, فالشعور الأقلوي بغياب خطاب المظلومية هو شعور لا يستبطن العداء ولا يرعى أسباب الحرب أو العنف, على حين شهدنا تنامي خطاب المظلومية مع بداية تثبيت حكم الأسد الأب, وهو خطاب تنامى بشكل متضخم تجاه أكثرية لا تملك من أمر الدولة شيء, وبالتالي كان خطاباً تضليلياً ساهم فيه النظام وكرسته بعض أعمال العنف التي مارستها بعض مجموعات الأخوان المسلمين في ثمانينيات القرن الماضي.

بالمحصلة المجتمع السوري كبنية اجتماعية لم تنمُ لديه عوامل احتراب داخلي, بل على العكس من ذلك كل البنى الاجتماعية التي سلمت من تأثير الدولة والنظم السياسية المتعاقبة هي بنى اجتماعية سمحة وغير منغلقة على نفسها.

العنف وعوامل الحرب حملتها إلينا  بنية الدولة السورية منذ الوحدة مع نظام عبد الناصر وحتى الآن, هذه البنية التي استبطنت العداء للمجتمع بل أكاد أقول أنها بنيت على أساس العداء للمجتمع والتمكن من التحكم به وبأدوات وسبل تطوره, وحين أعلن عن تطلعاته بعيش حر وكريم شنت حربها الضروس عليه.

ربما نكون اليوم أحوج ما نكون لتصويب الرؤية, فالدولة بالمعنى العميق وليس فقط النظام, هي راعية عوامل الحرب والعنف, وهي التي يجب أن تصوب إليها (ومعها النخب ) سهام النقد, وهي ما يجب أن يعاد النظر والتنظير بشأنها, وبناء منظومة نظرية لا تسمح للدولة بأن تتحكم بميل تطور المجتمع وان تفرض عليه أنماط تطور لا تتقاطع مع تطلعاته, فنحن نلاحظ أن التيارات الحداثية واللبرالية عموماً تنظّر لدولة ذات مجتمع مدني, ونلاحظ أن التيارات الإسلامية تنظّر لدولة ذات مجتمع إسلامية, وفي كلا الحالين هناك استبطان لتغيير المجتمع وفرض أنماط اجتماعية قد لا تناسب السوريين, هذا ليس معناه رفض للمجتمع المدني أو الإسلامي, إنما معناه أن يترك مجال النمو والتطور الاجتماعي للتفاعلات الاجتماعية الطبيعية دون تدخل أو توجيه أو فرض من الدولة.

 

 

7 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *