أيمن مراد

الخطاب السياسي

الخطاب السياسي-أيمن مراد

مع المفكر العربي محمد عابد الجابري شاع وانتشر استخدام مصطلح (الخطاب السياسي)، حيث تحدث في كتابه الخطاب العربي المعاصر عن أربع مستويات للخطاب العربي، أحدها هو الخطاب السياسي.

والجابري (ذو المنهجية الصارمة), وأثناء تحديده لمعنى كلمة خطاب كما يريد استخدامها, يذهب إلى أن الخطاب هو رسالة الكاتب إلى القارئ, أو المتحدث إلى السامع, فهو النص المكتوب, أو الكلام المُقال, والجابري إذ يميز بين مستويين للخطاب باعتبار أن المستوى الأول هو نص الكاتب أو قوله , والمستوى الثاني هو تأويل القارئ أو السامع , فإنه ينطلق أساساً من أن الخطاب هو النص المكتوب أو القول المُقال فقط, دون التطرق إلى الفعل المبني على هذا النص أو القول, ما يعني أن الخطاب عند الجابري هو وجهة نظر المخاطِب(بكسر الطاء) المنظور إليها بكلامه فقط (نصاً مكتوباً أو قولاً صوتياً) دون النظر إلى أفعاله ومدى انسجامها مع هذا الكلام.

الأدبيات السياسية والثقافية السورية تستعمل المصطلح (خطاب سياسي) دون ضبطه، فهو الكلام فقط حيناً، وهو الكلام والفعل المرافق له أو المبني عليه حيناً آخر، وهو مجموع الكلام والفعل في مرحلة قد تطول أو تقصر (الخط العام) حيناً ثالثاً. وهذه الأدبيات لا تفرق (في الأعم الأغلب) بين الخطاب السياسي والخطاب الإعلامي لفصيل أو حزب سياسي، أوبين الخطاب السياسي والرؤية السياسية أو الخط السياسي، مما يساهم في ضبابية الرؤية وتضليل القارئ أو السامع، ويعكس تخبط الكاتب أو المتحدث وعدم تمكنه من موضوعه.

إذن نحن أمام مصطلح حديث نسبياً، يتداخل ويشترك بالمعنى مع مجموعة من مصطلحات أخرى، الأمر الذي يستدعي ضبطه دلالياً, ونحن إذ نعتقد أن الجابري ذهب إلى ما ذهب إليه في تحديد معنى كلمة خطاب بسبب موضوعه العام الذي نرى أنه أكبر وأوسع وأشمل من خطاب سياسي, فهو خطاب حضاري عام والمستويات التي بحثها الجابري تؤكد ذلك فقد تحدث بالإضافة للخطاب السياسي عن الخطاب النهضوي والخطاب القومي والخطاب الفلسفي, ما يعني أنه حدد المعنى الذي يخدم موضوعه, وهذا طبيعي وله كل الحق في ذلك, مع أننا نأخذ على الجابري هنا أنه أثناء بحثه في الخطاب السياسي, ذهب الى بحث القضايا السياسية في كتابات المفكرين والكتاب, لا في وثائق سياسية لحركات أو أحزاب سياسية, أي أنه بحث الخطاب السياسي لا كما ظهر في وثائق القوى السياسية(نصوص سياسية بحصر المعنى), بل كما ظهر في كتابات المفكرين (نصوص فكرية تتناول قضايا سياسية), ما يعني أنه بحث في الفكر السياسي الذي تحدث عن قضايا سياسية, ولم يبحث في الخطاب السياسي بوصفه نصاً رسمياً يمثل خطاب مؤسسة سياسية ما , باستثناء وحيد هو (مشروع الميثاق الذي قدمه جمال عبد الناصر للمؤتمر الوطني للقوى الشعبية في مصر يوم 21- 5-1962), وهذا برأينا ساهم في المزيد من غموض المصطلح وتشابكه مع مصطلح الفكر السياسي.

إذن الخطاب عند الجابري هو الكلام (كتابة أو صوتاً) دون النظر إلى الفعل, وهذا تحديد جيد يجعلنا نميز بين حيز الكلام (الخطاب), وحيز الفعل (الموقف السياسي) , وحيز الكلام والفعل معاً(الخط السياسي), وبالتالي يمكن لنا أن نذهب مذهب الجابري في تحديده لمعنى كلمة خطاب, وأن نتابع بناء على ما قدمه لنحدد مصطلح الخطاب السياسي بأنه : الكلام السياسي (مكتوباً او منطوقاً) الذي يعبر فيه رجل السياسة عن وجهة نظره في قضية سياسية ما أو موقف سياسي ما, دون النظر إلى أفعاله السياسية أو مواقفه السياسية ومدى توافقها أو تخارجها مع مضمون هذا الكلام, ما يعني أننا بذلك نذهب باتجاه المادة النظرية (كلام , نصوص, رؤية , أفكار, مبادئ عامة, بيانات , لقاءات وتصريحات صحفية , الخ…) كل ذلك يندرج تحت مسمى الخطاب السياسي.

الخطاب السياسي الراهن:

استطاعت الثورة أن تكسر هيمنة النظام على الخطاب السياسي السوري, فمع انطلاقتها لم يعد الخطاب السياسي السوري هو خطاب النظام فقط, بل أصبح هناك إمكانية لتصدير خطاب سياسي سوري يخرج عما صدره ويصدره النظام, وعلى مدى أكثر من ست سنوات حاولت الثورة (عبر متصدري مشهدها السياسي) أن تنتج خطاباً سياسياً سورياً يستطيع أن يشكل بديلاً كفؤاً لخطاب النظام, لكنها مازالت متعثرة في إنتاجه حتى الآن, ونحن نعتقد أن الخطاب السياسي (المحسوب على الثورة)-ويصح أن نقول الخطابات السياسية- نعتقد أنه افتقد إلى أهم أركان الخطاب ومقوماته, والتي يمكن لنا أن نعدد بعض أهم عناصرها كما يلي :

1-اليقين:

اليقين في حده الأدنى هو الإيمان فيما نقول، وهو في هذا الحد (الحد الأدنى) مفقود في الخطاب السياسي السوري (أينما ورد تعبير الخطاب السياسي السوري فالمقصود هو الخطاب المحسوب على الثورة, أما خطاب النظام فلسنا في وارد بحثه هنا), وفقده في حده الأدنى نسف كل إمكانية لتواجده بحدود ذات سوية أعلى, يوجد في الخطاب السياسي السوري يقينيات كثيرة, لكنها يقينيات غير سياسية, ويمكننا ان نعدد: الخطاب السياسي (الإسلامي ) يقينياته كثيرة لكن كلها يقينيات دينية وظّفها في خطابه السياسي, الخطاب السياسي (المتعلمن أو المتلبرل أو اليساري أو القومي على اختلاف مرجعياته القومية الخ ..) يمتلك أيضاً يقينيات كثيرة لكنها بمعظمها يقينيات غير سياسية تم اقحامها وتوظيفها في خطابه السياسي.

اليقين السياسي هو ما يؤمن به صاحبا الخطاب (المرسِل والمرسَل اليه)، أو هو اليقين المشترك بين صاحبي الخطاب، فإذا كان المرسل صانع الخطاب وصاحبه، فالمرسل إليه هو الذي يؤول الخطاب ويعيد انتاجه وهذا حسب الجابري أيضاً. فإذا كان مرسل الخطاب هم متصدري المشهد السياسي بأشخاصهم وهيئاتهم، فإن المرسل اليه هو السوري، السوري دون أي صفة أخرى.

يرى أحمد برقاوي أن كل خطاب هو سلطة، وهذا صحيح، واستناداً إلى قوله: فكل خطاب يستند إلى يقين يعتمد صفة للسوري، كأن نقول: السوري العربي، أو السوري الكردي، أو المسلم الخ.. هو خطاب يستبطن اليقين في الصفة لا في الموصوف، وبالتالي هو سلطة الصفة على الموصوف، فهو خطاب يجعل من الصفة صاحبة السلطة على الموصوف وهذا خطاب استبداد.

ولأن كل خطاب هو سلطة، فإن الخطاب السياسي هو صورة سلطة الدولة حصراً دون أي سلطة أخرى، لذلك وجب ان يكون اليقين الذي يستند اليه الخطاب السياسي هو يقين من جنس الدولة، أقصد العمومية والشمول، وكل خطاب ينتقص من عمومية يقينه، هو خطاب يستبطن الانتقاص من عمومية الدولة.

غاب السوري بوصفه سوري فقط عن كونه المرسل إليه في الخطاب السياسي، وحضر السوري الموصوف بصفات تنتقص من عموميته، وهذا سبب غياب اليقين العام المشترك بين السوريين لتحضر عوضا عنه يقينيات لا تنتمي إلى العام والعمومية، ويمكن أن نجد أسباب هذا في غياب مفهوم الدولة، وغياب مفهوم المواطنة، وغياب وتشظي الفضاء السياسي المشترك، وهذه المفاهيم كلها، وغيرها مما ينتمي لدائرتها، هي مرتكزات المشترك السوري، ومرتكزات اليقين الذي يجب أن يبنى عليه الخطاب السياسي.

2-المعقولية:

معقولية الخطاب السياسي هي: ترابط عناصر هذا الخطاب ترابطاً عضوياً منسجماً فيما بينها من جهة, وترابطها ترابطاً عضوياً مع المواقع من جهة أخرى.

الخطاب السياسي السوري يعاني من تشظي عناصره المكونة له، وعدم انسجامها بل تناقضها، ويعاني من غربة واغتراب عن الواقع القائم بمختلف أبعاده ومستوياته، وهذا يعود لمجموعة من الأسباب أهمها بتقديرنا: أنه يستند إلى منظومة فكرية أيديولوجية تعتمد التوفيق والتلفيق منهجية لها، مما سبب تناقضات كبيرة في عناصره التي يجب أن تكون منسجمة ومتجانسة.

الخطاب السياسي السوري يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ما يمكن تسميته بعملية (إعادة اشتقاق المعنى) استناداً إلى واقع الحال، الواقع الحالي يُبرِز لنا مركزية مقولة الحرية وأهميتها، لكنها تظهر بالخطاب السياسي بصفة هامشية، وإن حصل وظهرت بصفة مركزية فإن مضامين هذا الظهور تستند إلى اشتقاقات في المعنى تعود إلى عصور وأزمنة سالفة. إن إعادة اشتقاق مفهوم الحرية بمعنى معاصر يعني حكماً إعادة اشتقاق جميع المفاهيم المتعلقة به مثل مفاهيم الحريات العامة والشخصية وحقوق الإنسان والمواطنة والدولة والقانون والأنسنة الخ..، فهذه المفاهيم هي عناصر ومفردات الخطاب السياسي الغائبة عنه أو الحاضرة فيه لكنها غير متجانسة، فكأنها اشتقت من واقع آخر غير واقعنا، أو كأن كل مفردة منها اشتقت من نسق معرفي وفكري متناقض مع الأخريات.

من مظاهر اللامعقولية أيضاً في الخطاب السياسي هو مظهر الشعبوية، والخطاب الشعبوي هو خطاب تجييشي يحاكي العواطف والغرائز ويعزف على وترها، بالتالي هو خطاب يراهن ويعتاش على غريزة القطيع، ويمنع أي إمكانية لإعمال العقل لدى العامة.

الخطاب الشعبوي هو الوجه الآخر للخطاب النخبوي المتعالي فهما (الشعبوي والنخبوي) خطاب (ضد-سياسي) لا يمكن لهما أن ينتجا سياسة تراكمية تستطيع أن تبني فضاءً أو حتى نسقاً سياسياً يعبر بشكل فعلي عن تطلعات السوريين وطموحاتهم.

3-الأمل:

غياب اليقين والمعقولية في الخطاب السياسي السوري أدى إلى غياب الأمل، فهو خطاب لا يحمل الأمل، بل ولا يَعِد به، هذا سبب بؤسه وفشله وعدم وصوله إلى المرسل إليهم.

غياب اليقين أدى إلى الضياع، وغياب المعقولية أدى الى النفاق والمداهنة، والضياع والنفاق والمداهنة لا يمكن ان تحمل معها الأمل، فالأمل لا يمكن أن يُحمل إلا على اليقين والواقعي والواضح والصريح والواثق والجدي، وهذه الصفات غابت عن الخطاب السياسي السوري، بسبب غياب مقومات الخطاب المذكورة أعلاه.

الخطاب الذي لا يحمل الأمل إلى المرسل إليهم، لن يلقى منهم التجاوب أو التفاعل أو الاهتمام، فغياب الأمل من الخطاب السياسي يعني العبثية، والعبثية في حقيقة الأمر هي صفة لصيقة بالخطاب السياسي السوري، ليس فقط لأنه لا يحمل الأمل، بل لأنه لا يحمل سوى التهويش والضياع والنفاق والشعبوية.

لقد آن الأوان لإنتاج خطاب سياسي سوري، يستند على الذات السورية، على الكينونة السورية، على الحضور السوري، على المتحد السوري وعلى الهوية السورية، خطاب سوري مفرداته انتاج سوري، والهيئات والمؤسسات المصدرة له هي انتاج سوري، والأفراد أو الهيئات أو القوى المرسل إليهم هذا الخطاب هم السوريون كل السوريين، وكل خطاب لا يستند على هذه المستندات هو خطاب لا يعول عليه، بل يساهم بدرجة كبيرة في استمرار المعاناة السورية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

40 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *