رؤية لسورية المستقبل، وثيقة فكرية سياسية مشتركة بين حزب الجمهورية واللقاء الوطني الديمقراطي

أولًا: مقدمة

ثانيًا: استحضار المستقبل وتدبير المصير

ثالثًا: “بناء المجتمع”

رابعًا: العدالة والعدالة الانتقالية

خامسًا: نقد الثنائيات وتجاوز التناقضات الزائفة

سادسًا: الوطن والمواطنة والوطنية

سابعًا: اللامركزية وحق تقرير المصير

ثامنًا: العقد الاجتماعي

تاسعًا: مبادئ أساسية في الرؤية

عاشرًا: مرتكزات للعقد الاجتماعي الجديد

 

 

 

أولًا: مقدمة

ويلات الحرب الجارية، في سورية، والكارثة التي تسببت بها الطغمة الحاكمة، تدفع دفعًا إلى التفكير في المستقبل الممكن والمستقبل المنشود، بل في تدبير المصير، انطلاقًا من أهمية المجتمع المدني والدولة السياسية، دولة الحق والقانون والمؤسسات، أو الدولة الوطنية الحديثة، لأن الجماعات والمجتمعات تعيد تنظيم حياتها، بعد الحرب، ولا تستطيع أن تفعل ذلك، على نحو يؤدي إلى السلم الاجتماعي الدائم ما لم تكتشف المصلحة/ المصالح المشتركة، وتتفق على معايير مقبولة من الجميع للعمل على تحقيقها.

هذا لا يعني أبدًا أن الحرب ضرورية، وأن اكتشاف المصلحة المشتركة والمعايير المشتركة مرهون بوقوعها. بل على العكس من ذلك، لأن الحرب تقطع سيرورات كانت جارية قبل وقوعها، وكان يمكن لهذه السيرورات أن تتجه كلها أو جلها إلى اتجاه واحد، في لحظة معينة، فتؤدي إلى التغيير السلمي وتحسين شروط الحياة الإنسانية نوعًا وكمًا، بلا عنف، أو بقدر من العنف لا يتعدى حدود القيم الاجتماعية والإنسانية أو يهدرها، وذلك ما حدث عام 2011، وقطعته الحرب التي شنتها الطغمة الحاكمة على المجتمع، ولكن استئناف ذلك التغيير سيظل على جدول الأعمال. وهذا سبب آخر لضرورة التفكير المستقبلي، والاهتداء إلى بدائل تمهد لهذا الاستئناف.

مشروع الرؤية، الذي نحن بصدده، نأمل في، ونعمل على، أن يظل مشروعًا مفتوحًا لنقاش عام بين الفعاليات والقوى الاجتماعية والثقافية والسياسية السورية، على اختلاف مواقعها الاجتماعية ومرجعياتها الفكرية واتجاهاتها السياسية، التي تحكمها جميعًا، وتوجهها، منظومة أخلاقية، ينعقد الرهان عليها، بصفتها شرطًا لازمًا لنجاح أي عمل تشاركي، يتوخى المصلحة العامة، وأي مسعى وطني يحظى بموافقة أوسع دائرة ممكنة من السوريات والسوريين، وقبولهم وقبولهن.

فالنقاش العام، وفق فهمنا له، هو فسحة أخلاقية أو مساحة أخلاقية، يتشارك فيها الأفراد والجماعات (ذكورًا وإناثًا، على قدم المساواة) في إنتاج الحقيقة، النسبية دومًا والمتغيرة بتغير الشروط الذاتية والموضوعية، وتجديد المعرفة والثقافة، وتوثيق الروابط المادية والروحية، وتأسيسها على مبادئ المواطنة المتساوية، ومبادئ الحرية والعدالة. فالثقة والتعاون والشبكات، على سبيل المثال، من أهم مقومات رأس المال الاجتماعي، الذي تتوقف على كيفية إنتاجه وتنميته وإنفاقه عملية الاندماج الاجتماعي وبناء المؤسسات، وتتوقف عليه، من ثم، قدرة المؤسسات الخاصة والعامة وتنظيمات المجتمع المدني على القيام بوظائفها.

نشير هنا إلى أننا ننظر إلى رأس المال الاجتماعي ورأس المال الثقافي ورأس المال الرمزي ورأس المال المادي المتعالقة والمتآخذة جميعًا على أنها أدوات تحليل ناجعة لتحليل الأوضاع السورية الراهنة، واجتراح البدائل الممكنة والمرغوب فيها، بدلًا من أدوات التحليل التقليدية التي تنطوي على كثيرٍ من الحتميات، في وقت نفت فيه العلوم الحديثة أي حتمية. ونعتقد أن هذه المفاهيم هي الأقرب إلى عمليات التحول الديمقراطي في أي مجتمع.

المبادئ التي يتأسس عليها مشروع الرؤية هذا، ليست شروطًا مسبَّقة أو سقوفًا عالية أو مجرد تطلعات، بل هي مبادئ تُقيَّم، في ضوئها وعلى أساسها، الإستراتيجيات والبرامج والسياسات والممارسات. والمبادئ مسائل، لا ثوابت، تتطلب نقاشات عامة مفتوحة، وغير مشروطة، ومراجعة دائمة على الواقع، إذ يُفترض أنها مبادئ معرفة الواقع وإمكانات تحسينة باطراد. ومشروع الرؤية كله، مقاربة تدَّعي الاسترشاد بهذه المبادئ والاهتداء بها، وهي قابلة للنقد والتقويم والإغناء وقابلة للنفي والدحض أيضًا.

فلا يكون احتكار فعَّال للثروة والسلطة والقوة من غير احتكار الحقيقة، ومن ثم، احتكار الوطنية، بما هي حقيقة الدولة الحديثة، لا العرق ولا الإثنية ولا الدين. الوطنية هنا مرادفة للعمومية أو الجمهورية “Republic”. أجل، الوطنية هي حقيقة الدولة، وبهذا تُعادلُ الديمقراطيةَ. ولذلك يعد حرمان الشعب من المشاركة في إنتاجها وتنميتها جريمة سياسية وأخلاقية. على هذا الأساس، يرفض مشروع الرؤية أي شكل من أشكال الاحتكار، رفضًا قاطعًا، لأن الاستبداد هو الشكل السياسي لاحتكار الحقيقة، والاستبداد الديني هو الشكل الثقافي لاحتكار الحقيقة، وتأويل كلام الله، ومعرفة “مقاصد الشريعة”، أداته الأسوأ هي الفقه المتحزب والفقهاء المتعصبين، أو “وزراء الله”، ممن يفتون بغير علم، ولغير وجه الله، أي لغير الخير العام ولغير النفع العام، من سائر الأديان والمذاهب. لذلك يميل مشروع الرؤية إلى الجمهورية السورية، وإلى خلو دستورها من أي إيحاء عنصري أو ديني أو مذهبي.

يحذر هذا المشروع من استبطان أحكام المشتشرقين والمدارس الأيديولوجية على المجتمع السوري، والشعب السوري وغيرهما، أو الرضوخ لها، واعتبارها حقائق نهائية. ويدعو إلى ابتكار قراءة سورية مستقلة ومستنيرة وتشاركية للواقع السوري، ببعديه المكاني والزماني، بل المكاني – الزماني، العالمي والتاريخي، تُحرِّر الوعي الفردي والجمعي من الشعور بالنقص والدونية، أو الشعور بالتفوق والأسبقية. ويدعو إلى مراجعة مفاهيم المجتمع والأمة والشعب والدولة والقومية والوطنية والسياسة والسيادة والشرعية والسلطة والمعارضة والوحدة والتجزئة والاستقلال والانفصال والمركزية واللامركزية … وغيرها مما يندرج في نسق الحداثة والمعاصرة والكونية، في ضوء المنجزات الفكرية والخبرة الإنسانية، التي اغتنت بثروة التطور والتقدم، ولا سيما خبرة المجتمعات الديمقراطية والدول الديمقراطية. هذا لأن سورية جزء من العالم، وتاريخها جزء من تاريخه، ومستقبلها ليس ماضي الشعوب المتقدمة، بل مستقبل هذه الشعوب نفسه، بحكم قابلية التحسن الذاتي المشتركة بين البشر وسرعة وتائر التطور.

 

ثانيًا: استحضار المستقبل وتدبير المصير

كيف يمكن أن تتملَّص الرؤية أو تنفك، لكي لا نقول أن تبرأ، من الأيديولوجيا، وهذه، أي الأيديولوجيا، مطالب وتطلعات ورغبات، وماضويات ومستقبليات؟ هذا تحد كبير للذهن، لأن الأيديولوجيا، بمعانيها المختلفة، سترافقنا إلى أمد غير منظور، ربما إلى أن يصير العالم شفافًا والإنسان إنسانًا، لا مجرد حيوان عاقل أو حيوان اجتماعي أو سياسي أو حيوان “مثقف”، ويصير مركزيًا ما كان هامشيًا من خصائصه على مر العصور، نعني أن يصير كائنًا أخلاقيًا حكيمًا. الأيديولوجيا ليست الشيطان الرجيم إلا حين تكون نسيجًا متهافتًا من الأوهام والرغبات والأغاليط والأكاذب، وحين تكون مجرد تبشير، لا إستراتيجية للعمل. والأخطر حين تكون حصرية وإقصائية واستئصالية وعنصرية، كالنازية والبعثية والإسلاموية الجهادية وغيرها، وحين تكون قناعًا يحجب الواقع، بإنكار الوقائع أو تزييفها وتحريفها أو تأويلها تأويلًا لا عقلانيًا، علاوة على ما تتسم به من تداخل العقل والخرافة والأسطورة.

المستقبل، بخلاف أي وهم أيديولوجي، هو ممكنات الحاضر فقط؛ قد لا يكون المستقبل القريب ملبيًا لحاجات السوريات والسوريين وتطلعات المجتمع الذي ثار على الاستبداد والتسلط والفساد والحرمان والإفقار والتهميش والإذلال وهدر الإنسانية، بعد هدر المواطنة وهدر الوطنية وهدر الوطن، أي بعد أن جُعلت سورية “سورية الأسد”. وإلى ذلك قد لا يكون المستقبل القريب وربما المتوسط، متناسبًا مع خسائر السوريات والسوريين البشرية والمادية، ومع معاناتهم وتضحياتهم. لذلك تتجاوز هذه الرؤية حدود المستقبل القريب، والمتوسط ربما، إلى تدبير المصير، فهذا كل ما يهم، في نهاية الأمر. وإذ لا ينفصل العمل في سبيل مستقبل أفضل عن تدبير المصير، ما دام الرهان يظل معقودًا على الممكنات، والشروط الذاتية والموضوعية لتحقق أي منها، بل أفضلها، فإن الرؤية لا بد أن تلحظ ما هو مرحلي، وتؤسس لما هو إستراتيجي. ما يقتضي مزيدًا من الواقعية، المختلفة بالطبع عن الإذعان والاستسلام للأمر الواقع.

الواقع السوري القائم اليوم، وفي المستقبل القريب بعيد عن كونه مهيَّئًا للتحول الديمقراطي المأمول، يولده مستوى معين من التمدن، لا من التحضر، فما بالنا بما تطرحه قوى “يسارية” عديدة من تحول اشتراكي. لعل المجتمع المدني – الدولة السياسية أقرب منالًا من الديمقراطية والديمقراطية الاجتماعية والاشتراكية. لا شك في أن الممكن الأخلاقي قائم في الأسرة السورية أو العائلة السورية، ولكنه لا يتحقق دفعة واحدة وعلى أحسن وجه، حتى في شروط ملائمة، بل يتحقق شيئًا فشيئًا، ولا يمكن “حرق المراحل”.

فعلى الرغم من تلازم حكم الواقع وحكم القيمة في الخطابات كافة، بما فيها الخطاب العلمي، ولا سيما في العلوم الإنسانية، فإن البحث في الرؤية يقتضي الفصل الإجرائي بين هذين النوعين من الحكم. يقوم حكم الواقع على مبدأ الحقيقة الواقعية (جملة الحوادث والوقائع والظواهر والتشكيلات والمنظمات، التي يمكن ملاحظتها ووصفها وقياسها، قبل تحليلها) وهذه متعددة في ذاتها ومترابطة ومتغيرة، في الوقت نفسه، فلا بد من العناية بالتعدد وتنظيمه في حقول أو مجالات، أولًا، واعتبار الأخيرة حقولًا أو منظومات ديناميكية تؤثر كل منها في غيرها وتتأثر به، ما يساعد على اكتشاف الروابط المتبادلة فيما بينها، واكتشاف الروابط المتبادلة بين الحوادث والوقائع أو المعطيات في كل منها.

تعدّد الحقائق الواقعية يفترض بالبداهة تعدد تأويلاتها وفقًا لتعدد المصالح والمرجعيات التي تبررها، وتبعًا لمواقع الأفراد ومنظوراتهم، ما يقتضي تنظيم الأحكام والتأويلات في حقول هي منظومات ديناميكية أيضًا. وهذا ما يرسي أساسًا مكينًا للحوار والنقاش العام، انطلاقًا من الاعتراف بشرعية سائر التأويلات والآراء واعتبارها جميعًا افتراضات تداولية في النقاش. بهذه الطريقة غير الإقصائية يمكن التوصل إلى “حقيقة تواصلية” مقبولة من جميع المنخطرطات والمنخرطين في النقاش، وفي ضوئها فقط يمكن التوصل إلى مبادئ وقيم مشتركة وحلول مقبولة من الجميع، ويربح فيها الجميع، وإن بنسب مختلفة، لأن الخسارة النسبية لأي طرف هي ربح صاف للجميع بالتساوي. وقف الحرب، على سبيل المثال يمكن أن يؤدي إلى خسارة نسبية لهذا الطرف أو ذاك، ولكنه ربح صاف للجميع بالتساوي، وكذلك الأمر في العقد الاجتماعي بين أفراد حرائر وأحرار، والتنافس السياسي السلمي والانتخابات الدورية … إلخ.

 

ثالثًا: “بناء المجتمع”

المجتمع من إنتاج نفسه، وهو منظومة مركَّبة أشد ما يكون التركيب ومعقَّدة أشد ما يكون التعقيد، وليس في وسع أي حزب أو تجمع أو تيار .. إلخ أن يبني المجتمع، بحسب مشيئته أو على هواه، وليس في وسع أي قوة مفارقة أن تفعل ذلك. الأيديولوجيون فقط أرادو “بناء المجتمع” العربي الاشتراكي الموحد، أو المجتمع الاشتراكي، أو المجتمع الإسلامي، بإرادتهم الذاتية، وما زالوا يريدون ذاك، فدمروا المجتمع، حيثما استولوا على السلطة، ولا يزالون يمعنون في تدميره، حيثما لا يزالون في الحكم. في وسع أي حزب حاكم أن يدمر المجتمع بمصادرة الحريات واهتضام الحقوق ونهب الثروات والموارد وتسميم العلاقات الاجتماعية وإحياء العصبيات العائلية والعشائرية والإثنية والمذهبية، وتفكيك الروابط الوطنية وتقفير الحياة الإنسانية .. كما فعل حزب البعث العربي الاشتراكي والطغم الحاكمة، في كل من سورية والعراق ولبنان.

يستطيع أي حزب حاكم أن يشل فاعلية المجتمع، وينهك قواه، ويبدد ثرواته وقوة عمله، ولكنه لا يستطيع أن يبني مجتمعًا. وإلى ذلك، إن أي عصبية تستطيع أن تستولي على السلطة، وأن تسيطر، من ثم، على المجتمع، ولكنها لا تستطيع أن تبني دولة، بالمعنى الحديث للدولة، التي يتساوى مواطنوها ومواطناتها أمام القانون، وهذا شأن العائلات والأسر الحاكمة في معظم البلدان العربية، وكذلك شأن الأحزاب الشمولية، العقائدية، بما هي عصبيات محدثة، يحكمها منطق الولاء لعقيدتها والبراء مما عداها.

المجتمع بنية ديناميكية، يمكن تشبيهه بالجسد الحي، وقد شاعت عبارة “الجسد الاجتماعي” و”جسد المجتمع” في الدراسات الاجتماعية، فربما تكون عملية التعضِّي الاجتماعي أو التشكُّل الاجتماعي شبيهة بعلمية تعضي الكائن الحي، يشارك فيها جميع أعضائه، كل بحسب وظيفته، وفق نظام محكم، لا فاضل بينهم ولا مفضول، لذلك يُفترض أن تكون الرؤية، التي تهتم بشؤونه ديناميكية على شاكلته، متحررة من التصنيفات الشائعة، الطبقية منها والفئوية والإثنية والمذهبية، إذ لا يتسق تساوي الأفراد في الحقوق المدنية والسياسية، وتساوي الرجال والنساء مع أي رؤية تصنيفية وتفاضلية، ولذلك يجب أن تكون العدالة مبدأً وغاية، وحافزًا لتحسين نوعية الحياة الإنسانية. فلا بد، وهذه الحال، من ربط المواطنة بالعدالة، واقتران التنمية بالعدالة، وإلا فإن اغتراب الأفراد في الوطن واغترابهم منه واغترابهم عنه سيستمر. الاغتراب في الوطن يعني العيش على هامش الوطن، وهامش الحياة العامة (النوعية)، والاغتراب منه يعني الهجرة الطوعية والقسرية، والاغتراب عنه، يعني التنكر له ومعاداته، ويتجسد هذا في الإرهاب. لا مواطنة فعلية من دون رفع ما يمكن رفعه من اللاعدالة. على هذا المبدأ تتأسس الحماية الاجتماعية والقانونية، وإنصاف الفئات المحرومة والمهمشة.

الاختلاف هو الحقيقة الواقعية الأبرز في العالمين الفيزيقي والأخلاقي (المجتمع والدولة). فهو الطبيعي الذي يؤسس الوضعي، والوجودي (الأنطولوجي) الذي يؤسس الأخلاقي، ومن ثم فإن التجانس، وهمًا كان، كالتجانس العرقي والإثني والقومي والديني والمذهبي والطائفي والجنسي، أم حقيقة، كأنواع المواد والنبات والحيوان وأجناسها وأصنافها.. تأويل وضعي من عمل الذهن الإنساني، لا من عمل الطبيعة، ولا من عمل أي قوة مفارقة. نحن الذين نسمِّي ونصنِّف، وفقًا لإستراتيجياتنا وسلطاتنا المعرفية والثقافية والأيديولوجية والسياسية. فلا بدّ من بناء رؤيتنا للبدائل الممكنة والمرغوب فيها على مبدأ الاختلاف، أي على مبدأ الحرية، وتساوي الأفراد والجماعات في القيمة الروحية والكرامة الإنسانية والكرامة الوطنية والحقوق المشار إليها.

الاختلاف من أبرز صور الحرية ومن أهم تجلياتها، وهو ما يستوجب المساواة في الكرامة الإنسانية والجدارة واستحقاق الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، للأفراد والجماعات، ويعين مضمونها ونسبيتها، في كل مجال من مجالات الحياة. فلا مشاحة عن التفكير في واقعية الاختلاف ومعقولية العالم، اختلاف الإثنيات واختلاف الأديان واختلاف المذاهب واختلاف الثقافات واختلاف المصالح والمطالب والتوقعات، علاوة على اختلاف الأفراد واختلاف الذكور عن الإناث والنساء عن الرجال. فالنظر إلى الاختلاف على أنه شكل تعيين الحرية يجعل منه ثروة اجتماعية وإنسانية، معرفية وثقافية وإبداعية. مساواة النساء والرجال أمام القانون لا تعني، ولا يجوز أن تعني طمس الاختلاف، لا بين النساء والرجال ولا بين الأفراد، لذلك يُعرَّف المواطن والمواطِنة بأنه أو أنها تجريد الفرد/ الفرد الطبيعي، مثلما الدولة تجريد المجتمع المدني. إن كل رفض للاختلاف، أي للحرية هو انتحار روحي، وكل اعتداء على حرية الآخر هو محاولة لقتل الإنسان فيه .. وتحويله إلى حيوان، وسحق مخالف لطبائع الأشياء، وكل محاولة لإخماد نفحة الإبداع ومبدأ الحرية والتشارك المبدع للبشر في الحياة الاجتماعية.

 

رابعًا: العدالة والعدالة الانتقالية

المساواة والحرية هما الركنان الأساسيان من أركان العدالة، لا تكون عدالة إلا بهما معًا، إضافة إلى تكافؤ المرأة والرجل وهو الأساس المكين والشرط اللازم للعدالة، وإلى تكافؤ الفرص وتساوي الشروط. والعدالة لا تعني التوزيع المتكافئ للثروات الوطنية والخيرات الاجتماعية فحسب، بل تعني التوزيع العادل للسلطة أيضًا، لكي يتغير محتوى توزيع عوامل الإنتاج بين الفئات الاجتماعية، وتتأسس الوحدة الوطنية على الانتماء الطوعي والمصالح المشتركة والغايات المشتركة. مرة أخرى لا عدالة من دون تكافؤ المرأة والرجل وتساويهما في الحريات والحقوق المدنية والسياسية. ولا عدالة أيضًا من دون تكافؤ الجماعات الإثنية والدينية والمذهبية وتساويها في الحريات والحقوق المدنية والسياسية، ومن دون إلغاء التمييز وتجريمه.

العدالة تركيب فريد من المساواة والحرية أشبه ما يكون بتركيب الماء من الأوكسجين والهيدروجين، إذا انفصل أحدهما عن الآخر يصبح الأول حارقًا والثاني سامًا. وهي قاعدة عملية وقيمة أخلاقية، لا تنفصل إحداهما عن الأخرى. فلا مساواة بلا عدالة سوى المساواة الصفرية، ولا حرية بلا عدالة سوى للأقوياء والمتسلطين، ممن يمارسون حرية مطلقة، لا تزيد على كونها “حرية طبيعية”، في مقابل الحرية المدنية. (الاستبداد وحده يساوي بين الرعايا مساواة مطلقة، على أنهم لا شيء). هنا بالضبط تتموضع قضية المرأة وشروط تحققها الكياني وتمكنها من التمتع بحريتها وحقوقها، لا في البنى الخطابية، الشرعية منها أو القانونية. ما يقتضي ربط المواطنة بالعدالة والعدالة الإجرائية (رفع ما يمكن رفعه من مظاهر اللاعدالة) وأخلاقياتها، التي يمكن أن تتجه نحو “الديمقراطية الاجتماعية”.

لا شك في أن العدالة الإجرائية خطوة إيجابية مهمة على طريق العدالة الاجتماعية، ومن الضروري رفع ما يمكن رفعه من أشكال اللاعدالة، كلما كان ذلك ممكنًا، لكن العدالة الانتقالية هي الأهم، في الحالة السورية الراهنة، ففي محاسبة من ارتكبوا جرائم الاعتداء والقتل والتدمير والتهجير والاختطاف والاعتقال والتعذيب والاغتصاب والتمثيل بالجثث … عدالة للمجتمع كله، لا للضحايا وذويهم فقط، على أهمية ذلك. العدالة الانتقالية، هنا، هي الشرط اللازم، وغير الكافي للنسيان الإيجابي، وتخطي آثار الكارثة الإنسانية، التي أنزلت، لا نزلت، بالبلاد، والشرط الضروري لشفاء الجسم الاجتماعي من عاهات التعصب والعنف والثأر والانتقام، والمدخل الذي لا بد منه إلى الاندماج الاجتماعي والمواطنة المتساوية.

المجتمع الصغير، القرية أو البلدة أو الحي، والمجتمع الكلي، الذي لا تُقلق الجريمة ضميره، فلا يهدأ ولا يستريح حتى تُكشف ملابساتها ويُعاقَب مرتكبها أو مرتكبوها، مجتمع بلا ضمير، جف روحه الإنساني، وانحطت أخلاقه، فما بالكم بالجرائم التي فاقت في فظاعتها ووحشيتها كل ما ارتكب من جرائم في العصر الحديث، ومعظم مرتكبيها من ذوي الياقات البيضاء وربطات العنق الفاخرة والرتب العسكرية الرفيعة! أي سورية ستكون بلا عدالة انتقالية سوى سورية بلا ضمير، ومن ثم، بلا عقل ولا حياة إنسانية! بلا عدالة انتقالية، أي سورية ستكون غير سورية الأسد!. في الحالة السورية الاستثنائية استثناء صارخًا، حيث تفشت “تفاهة الشر”، يمكن تفهُّم السكوت على الجرائم خوفًا من “العواقب الوخيمة”، ولكن لا يمكن تفهُّم إنكارها أو تبريرها، فما بالكم باعتبارها واجبًا أخلاقيًا و”دفاعًا عن الوطن”!

إزاء هذه الحال، يجب التوقف مليًا عند انقسام المجتمع السوري قسمين متنافيين، “موالاة” و”معارضة”، وتمفصله مع الانقسامات العمودية المعروفة، والتفكير في كيفية ردم الهوة، التي اتسعت، وتعمقت، خلال السنوات الماضية. ولا بدّ أن ينطلق التفكير في هذه المعضلة من إعادة تعريف الوطن والمواطنة والوطنية، والمجتمع والشعب والدولة، كما سبقت الإشارة، لكي يكون للعدالة الانتقالية مردودها الوطني العام، فلا تقتصر على جبر الضرر وجبر الخواطر وبوس اللحى وتتفيه الضحايا. أي لا بدّ من تلازم التأسيس المعرفي والأخلاقي والإجراءات العملية للعدالة، ما يقتضي استنفار الثقافة والإعلام للنهوض بهذه المهمة، التي يتوقف عليها المستقبل القريب، على الأقل.

 

خامسًا: نقد الثنائيات وتجاوز التناقضات الزائفة

يمكن أن تندرج مطالب الرؤية المستقبلية في إطار الرغبة والتوق أو التطلع والحلم والتمني والأمل، فتتحول إلى يوتوبيا، ثم إلى أيديولوجيا تبريرية، ترمي المسؤولية على غير حامليها وتعفيهم من واجباتهم. ويمكن أن تندرج في سيرورة المعرفة – العمل لتوقيع الممكنات أو تحقيقها، والممكنات ليست، أو ليست كلها مما نرغب فيه، وفق معيار مثالي. فلكي يطيعنا الواقع يجب أن نطيعه، لا بمعنى الإذعان والاستسلام لمنطق تطوري وتصوري منفصل عن نشاط الناس وأعمالهم ونمو علاقاتهم وتغيرها، ومنفصل من ثم عن إرادتهم الحرة، بقدر ما تكون كذلك، بل بمعنى اكتناه منطق الواقع واستشفاف ممكناته والعمل على ترجيج أفضلها تشاركيًا. وهذه عملية معقدة تعقيد الواقع نفسه أو تعقيد المجتمع، تدخل في “علم التعقيد” وعلم الاحتمالات، ولا سيما أن الواقع ديناميكي علائقي وإمكاني وتناقضي ومتغير باستمرار، ما يفترض أن تكون الرؤية كذلك.

ثمة جملة من التعارضات المفترضة، التي غالبًا ما تكون في خلفية الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، كتعارض الفرد والمجتمع، وتعارض الفرد والدولة، وتعارض المجتمع والدولة، تُعيِّن أنساقًا من التفكير، تُبنى على افتراض أولوية الفرد أو المجتمع، الفرد أو الدولة، المجتمع أو الدولة، وتغليب أحد قطبي الثنائية على الآخر. لا بدّ من التفكير في هذه التعارضات الثنوية ونقدها وتأسيس مفاهيم الفرد والمجتمع والدولة على مفهوم الإنسان ومنطق التاريخ وفكرة التقدم أو النمو، ولا فرق.

مقاربتنا لمستقبل سورية تقوم، من البداية على نفي هذه التعارضات / التضادات التعادمية، ونفي المنطق الثنوي التعادمي، الذي يضع الخير في جانب والشر في الجانب الآخر. يقوم هذا النفي على اعتبار المجتمع شكل وجود أفراده، والدولة شكل وجود المجتمع، والإنسان، الفرد العياني، الرجل والمرأة، هو الأساس أو المبدأ والغاية، بصفته وصفتها كائنًا كليًا، حرًا ومستقلًا، وإلا يتعذر وصفه بأنه كائن اجتماعي – اقتصادي وسياسي وأخلاقي، ويتعذر أن تكون هذه الصفات دالة على ماهيته، لا صفات عارضة أو خارجية أو اعتباطية. هذا النفي يمكن أن يؤول إلى الديمقراطية، ويمكن أن يؤول إلى الاستبداد. العامل الذي يجعله يتجه هذا الاتجاه أو ذاك هو الاعتراف بالفروق والاختلافات أو عدم الاعتراف بها، وهذا ما يحدد معنى المساواة.

كل فرق يعين اختلافًا يمكن أن يرقى إلى جدل (ديالكتيك). ثمة فرق بين الفرد والمجتمع، ثمة فرق بين المجتمع والدولة، ولكن ليس ثمة تناقض، الفرق لا يظهر إلا في العلاقة وبها، والعلاقة هنا جدلية بالضرورة، ضرورة الاجتماع البشري. الفرد والمجتمع حدا العلاقة، لا يوجد أحدهما إلا بوجود الآخر، (ليس هنالك ولا يمكن أن يكون جماعة بلا أفراد، وليس هنالك ولا يمكن أن يكون أفراد اجتماعيون بلا مجتمع). بموجب هذه العلاقة الديالكتيكية، يتحول كل منهما إلى الآخر، فيصير الفرد اجتماعيًا والمجتمع أفراديًا، يعترف باستقلال أفراده وحريتهم وجدارتهم واستحقاقهم الأهلية والمكانة والحقوق، وإلا لا حرية ولا استقلال ولا تمكن كياني ولا مساواة ولا عدالة ولا من يحزنون. وهكذا العلاقة بين المجتمع والدولة. هذه العلاقة دائمة بدوام الفرد والمجتمع، ولكنها متغيرة، بتغير الفرد والمجتمع. لذلك، تعيُّن هذه الرؤية منهجيةً منفتحةً على جميع منجزات الفكر الإنساني ومعطيات الخبرة الإنسانية.

الإنسان السوري هو أساس الرؤية ومبدؤها، كرامته الإنسانية والوطنية وحريته واستقلاله وحقوقه وتمكنه هي غايتها، والفاعلون في حقول الاجتماع والاقتصاد والثقافة والسياسة، هم من يستطيعون تنفيذها وتحقيق أهدافها. والنظر إلى هؤلاء جميعًا بمعايير الأمان والصحة والتعليم والسكن والعمل والإنتاج والاستهلاك والادخار والإعالة والمساواة والحرية والعدالة .. هو ما يوجه الرؤية، ويمنحها طابعها الوطني، العمومي، ويحكم البحوث والدراسات والمقاربات.

في ضوء ما تقدم، نفترض أن جذور الأزمة، التي تعيشها سورية اليوم، تمتد إلى اختلال العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين المجتمع والدولة، وضمور الأخيرة ضمورًا كارثيًا جعلها مطابقة لسلطة بطركية جديدة طاغية ومستبدة، معادية للمعرفة ومعادية للحرية. وذلكم هو الأساس العميق لهدر الإنسان وتعميق اغترابه وهدر المواطنة والوطنية وهدر المؤسسات واختناقها وهدر الوطن.

 

سادسًا: الوطن والمواطنة والوطنية

المواطنة علاقة مركَّبة، مادية وروحية، علاقة بالأرض الصائرة وطنًا، بمن عليها وما عليها، لا بالامتداد أو المكان المجرد، عند الفلاسفة والرياضيين، ولا بمجرد الجغرافيا، عند الجغرافيين، وعلاقة بالدولة الحديثة، والمجتمع المدني في الوقت نفسه، أو علاقة بالحداثة، بوجه عام. الوطن هو عماد المواطنة لا المصلحة وحدها ولا المنفعة أيضًا، على أهميتهما، إذا كان ثمة فروق جدية بين المصلحة والمنفعة.

العلاقة بالمكان-الزمان أبدأ من العلاقة بالدولة وأهم منها، لأن الزمان والمكان معًا هما نسيج الوجود. المكان-الزمان، هنا، هو المكان-الزمان المأنوس، إذ افتراض اضمحلال الدولة لا يقتضي اضمحلال الوطن، بصفته قوام الذات المواطِنة، وعماد موضوعيتها. العلاقة بين الوطن والمواطن/ــة هي علاقة ذات بموضوع، بموجبها تتموضع الذات ويتذَّوت الموضوع. الوطن مكان مذوَّت أو مؤنسن، وإنسان مموضع أو متمكِّن، من هنا تنبع قيمته المادية والمعنوية. والدولة هي شكل وجود مواطناتها ومواطنيها وحياتهم النوعية، والشكل يتغير تبعًا لتغير مضمونه، كما هو معروف.

الوطن مكان؛ والمواطنة تمكُّن (وجود في المكان، عيش في المكان الممهد أو الصالح للسكنى..)؛ هذا أبسط تعبير، يحيل على الجذر اللغوي للمفهومين، في العربية، وأقرب إلى الحسِّية والبداهة. إذ البداهة لا تدرك سوى المعنى الحسي للمكان، بصفته امتدادًا (محايدًا أو لا مباليًا) وموضوعًا مباشرًا ووجودًا ماديًا خارجيًا، لا يقبل أي توسُّط بينه وبين الذات.

التوسطات، التي تحجب الذات الإنسانية عن ذاتها، كلها نتجت من اغتراب الإنسان عن ناتج عمله، ثم اغتراب العمل ذاته، واغتراب الإنسان في العمل، ثم اغتراب الإنسان عن ذاته، وتشييئه، وضياع ماهيته، وماهيته هي الحرية. من أبرز هذه التوسطات، الأسرة والعائلة الممتدة والعشيرة والقبيلة ومحمولاتها الثقافية والدينية والمذهبية والإثنية، والقومية، منذ بزوغ الحداثة إلى أيامنا، وكذلك المكان والزمان المنسوبان إلى هذه التوسطات جميعها، والمذاهب الدينية الوضعية، مذاهب البطاركة والقساوسة والفقهاء والشيوخ، من أغرب هذه التوسطات، وأكثرها إهانة للروح الإنساني، بوجه عام وللعقل بوجه خاص، وأكثرها إيغالًا في الأساطير الميتة والخرافات.

الوطن مكان مؤنسن، طبيعة مؤنسنة، والزمان والمكان نسيجه، مثلما هما نسيج الإنسان ذاته، الوجود عامةً، ووجود الإنسان خاصةً منسوج من المكان والزمان؛ هنا بالضبط تتأكد وحدة المكان والزمان، بما هي وحدة جدلية، ديالكتية، في تقديرنا، من دونها لا يكون نمو، ولا يكون تحسن ذاتي للإنسان فردًا وجماعة وشعبًا وأمة، ولا يكون نكوص وتقهقر أيضًا. الإنسانية ليست شيئًا مضافًا إلى الطبيعة من خارجها، بل شيء ناتج منها. الإنسان كائن حي طبيعي، يمتاز بقدرته على التحسن الذاتي، وتغيير أشكال الطبيعة، وهاتان متشارطتان، ويمتاز قبل ذلك بكونه خالقًا مبدعًا وصانعًا وبستانيًا للعالم. الإنسان ابن الطبيعة، قبل أن يصير ابن المجتمع، من دون أن يكف عن كونه ابن الطبيعة، لكن المجتمع ابن الإنسان، ابن التاريخ، بما هو تاريخ الإنسان، مع عنصر طبيعي غير مرفوع، ولا يمكن رفعه.

ثورات الربيع العربي، في مغزاها الأعمق، هي نهوض المهمشات والمهمشين لاستعادة المكان – الزمان، الذي جعلوه وطنًا، ونُبذوا منه، واستعادة ذواتهم التي هدرها الاستبداد والتسلط، وذلك باستعادة الفضاء العام، لا الساحات والشوارع، فقط، بل المجتمع والدولة، إعادة المجتمع إلى اجتماعيته وكليته، والدولة إلى عموميتها، أي وطنيتها، لأن العمومية عماد إنسانيتهم. كل إنسان، ذكر و / أو أنثى هو كائن كلي، فرد وإنسان، فرد ونوع. الثائرات والثائرون أردن وأرادوا، استعادة ذواتهم، التي شلكها المكان – الزمان، لا ذواتهم الفردية فقط، بل ذواتهم الإنسانية – الاجتماعية العامة، عموميتهم، حياتهم النوعية، العامة، إنسانيتهم الفعلية واجتماعيتهم الفعلية.

نبذ الأفراد إناثًا وذكورًا من المجال العام، أو الحياة العامة، والحياة الأخلاقية، هو نبذهم من المجتمع والدولة، وحرمانهم من المشاركة الطوعية، أي حرمانهم من المواطنة، إذ المواطنة مشاركة طوعية في الحياة العامة.

والوطنية، وفقًا لمعنى الوطن، الذي تتأسس عليه، ليست مجرد انتماء، وليست منظومة حريات وحقوق فقط، بل علاقة مركبة بين الفرد والمجتمع والدولة، وبين الإنسان والمكان – الزمان المجعولين وطنًا، أو بيئة إنسانية. ولا تكون سليمة ومعافاة إلا إذا تمكن كل مواطن/ـة من التمتع بالحريات والحقوق التي ينص عليها الدستور، ويكلفلها الدستور والقانون، وتسهر على تطبيقهما سلطة وطنية منتخبة انتخابًا صحيحًا.

 

سابعًا: اللامركزية وحق تقرير المصير

أثبتت التجربة السورية على مدى نصف القرن الماضي أن تسييس العروبة كتسييس الدين أو المذهب لا ينتج إلا عصبية وعصبيات مضادة تحول كلها دون التشارك الحر في الحياة العامة، بقدر ما تقوم على مبدأ تسلسل الولاءات والامتيازات المقابلة لها. وتفترض نوعًا من مركزية صارمة تجد المجتمعات الصغيرة نفسها مكرهة على الإذعان، تحت مقولة التعايش الملغَّم.

فلا تتأتى المركزية الإدارية والسياسية إلا من غلبة جماعة إثنية أو مذهبية أو إثنية مذهبية، وهو الأعم والأغلب، وقبولها المشروط بوجود الجماعات المختلفة، ما لم تتطلع إحدى هذه الجماعات أو بعضها أو كلها إلى المشاركة في السلطة والثروة ومصادر القوة. ومن البديهي أن الجماعة الغالبة، التي تخفي غلبتها أو تقنِّعها بعقيدة دينية أو علمانية، هي من تعين مبادئ الحق والأخلاق، وتتعامل مع أي اختلاف عنها أو معها على أنه خروج على “الإجماع الوطني” وثوابت الأمة وخدمة لأعدائها.

ثمة تلازم بين المركزية الإدارية والسياسية وبين المركزية الإثنية أو المذهبية، وبين السلطة الشخصية والاستبداد الكلي، وبين المركزية الذكورية، فلا بد من العمل على توسيع مفهوم الإدارة المحلية وبنيتها وتوسيع صلاحياتها وانتخاب مجالسها وهيئاتها انتخابًا صحيحًا، بمن في ذلك المحافظون ورؤساء الدوائر والمديرون، لبناء النظام الديمقراطي من تحت إلى فوق، وفق حاجات الناس ومصالحهم، لا وفق إرادة هذا الحزب أو ذاك، أو هذه الجماعة أو تلك.

حق تقرير المصير مبدأ اساسي من مبادئ حقوق الإنسان، بما هي حقوق أفراد وحقوق جماعات وأمم وشعوب، وهو ضمانة موضوعية سياسية وأخلاقية للتطور الديمقراطي الذي يوجب أن يكون الانتماء الوطني (=القومي) اختيارًا حرًا لا جبرًا أو اضطرارًا، وهو متصل أوثق اتصال بمبادئ الحرية والمساواة والعدالة، أو لا يكون؛ فلا يجوز تعليقه أو تجزئته في ظل نظام ديمقراطي مستقر، ولا يخضع لاعتبارات أيديولوجية بل ينبغي أن يكون مبدأ من مبادئ العقد الاجتماعي، تعبر عنه المبادئ الدستورية، التي تسن على أساسها التشريعات والقوانين، وتتخذ الإجراءات والتدابير، ولا يجوز أن تبت به سوى هيئة تشريعية منتخبة انتخابًا صحيحًا تستجيب لمطالب المواطنين، وهي التي تقرر مشروعية هذه المطالب، سواء تعلق الأمر باللامركزية الموسعة أو الفدرالية أو الحكم الذاتي. وهنا يصبح الأمر مرهونًا بإرادة المواطنين والمواطنات الكرد وإجماعهم أو ميل أكثريتهم إلى هذا الخيار أو ذاك.

 

ثامنًا: العقد الاجتماعي

العقد الاجتماعي يمكن أن يكون اتفاقًا بين جماعات، إثنية ومذهبية وطائفية أو طبقية، أو بين قوى تمثلها، وفقًا لمبدأ الغلبة، فيكون نوعًا من مصالحة تقليدية، تتقرر بموجبها حقوق كل جماعة بمقدار قوتها المادية والمعنوية وتحالفاتها الداخلية والخارجية، فتكون المصالحة بذلك أقرب إلى هدنة بين حربين، كما هي الحال في لبنان والعراق، إذ لا يمكن لأي جماعة أن ترضى بما تقرره لها علاقات القوة، المتغيرة دومًا، فتظل عوامل النزاع قائمة في بنية العقد ذاته، وفي بنية المجتمع، وتظل السياسة نوعًا من إدارة الحرب أو استمرارًا للحرب بوسائل أخرى، وهذا مما يسمح بتدخل القوى الإقليمية والدولية في الشؤون الداخلية بحجة الدفاع عن هذه الجماعة أو تلك.

ويمكن أن يكون العقد الاجتماعي، بل ينبغي أن يكون عقدًا بين أفراد، أي بين مواطنات حرائر ومواطنين أحرار، يقوم على مبدأ الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية أولًا، ومن ثم، بالكرامة الوطنية، اعتراف يتأسس عليه اعتراف متبادل بالمواطنة، أي بتساوي الأفراد، نساء ورجالًا، في عضوية الدولة الوطنية، وفي الحقوق المدنية والسياسية، وتساوي مرجعياتهم الثقافية. العقد الاجتماعي، بهذه الصفات شرط ضروري للخروج من حالة الشقاق والنزاع، وضمانة أكيدة لكي لا تتكرر النزاعات كلما تغيرت نسبة القوى الاجتماعية، وهو ما يغلق الباب نهائيًا في وجه القوى الخارجية، ويحول دون تدخلها في الشؤون الداخلية.

وإلى ذلك، فإن العقد الاجتماعي بين أفراد حرائر وأحرار هو ما يوفر الشروط الموضوعية، القانونية والسياسية والاجتماعية، لتحرر الأفراد من الأطر التقليدية والعلاقات النمطية، ويضمن استقلالهم، من دون أن يلغي انتماءاتهم الإثنية والدينية، أو يحجر على حرياتهم، أو يقيد خياراتهم الشخصية، فيؤسس بذلك للصداقة المدنية، التي تجعل كلًا منهم يهتم بالآخرين، ويتعاطف معهم، ويدافع عن حرياتهم وحقوقهم، بوصفهم شركاءه في الوطن والمصير. وهذا، أي تحرر الأفراد واستقلالهم الذاتي، لا يتحقق دفعة واحدة، بل يتشكل وينمو بالممارسة، في إطار نظام جمهوري برلماني وانتخابات دورية، في ظل سيادة القانون. فقد اهتدى العقل البشري إلى العقد الاجتماعي والحياة الدستورية للتخلص من السلطات الشخصية المطلقة كافة، ولا سيما سلطة الحكام وبطانتهم، وسلطة الكهنة أيضًا، بوصفها القاعدة الثقافية والأخلاقية للسلطات الشخصية المطلقة، وقاعدة للاستبداد الديني والسياسي، إذ تتساوي لدى الكهنة وجماعات “الدين السياسي” “حاكمية الله” وحاكمية المستبد. فلكي لا يخضع الشخص الطبيعي لنظيره، كان لا بد من شخص معنوي يخضع له الجميع، وينزلون له عن حرياتهم وحقوقهم الطبيعية، لكي يستعيدوها حريات وحقوقًا مدنية، يضمنها الدستور والقانون. هذا الشخص المعنوي هو الدولة الوطنية الحديثة، وسلطته هي سلطة القانون، الذي يضعه الشعب لنفسه عن طريق ممثليه أو مندوبيه، الذين يختارهم اختيارًا حرًا.

الدولة عند علماء السياسة هي الجمهورية Republic. الجمهورية لا تدل على نظام الحكم فحسب، بل تدل قبل ذلك على العمومية، أو على كل ما هو عام ومشترك بين الأفراد. والفضيلة السياسية في الجمهورية هي المواطنة وحكم القانون، والعمومية هي الصفة الأساسية للدستور والقانون، وهذا مما يجعلهما أقرب إلى العدالة، بل شرطًا ضروريًا للعدالة.

الصيغة العملية لعقد اجتماعي، من هذا النوع، هي انتخاب جمعية تأسيسية انتخابًا صحيحًا، على الصعيد الوطني العام، وفق قانون انتخاب عصري وحديث، تضعه هيئة وطنية عامة للانتخابات، مؤلفة من قضاة وأكاديميين وممثلين عن منظمات المجتمع المدني. يحدد القانون شروط الانتخاب والترشيح وفقًا لمستوى التطور الاجتماعي والثقافي. ويقوم على مبادئ الثقة والكفاءة والخبرة والجدارة العلمية والأخلاقية. ويحدد الدوائر الانتخابية، وأسلوب الانتخاب الفردي أو الحزبي والنسبي، وضوابط العملية الانتخابية، كجداول الشطب ومراقبة عمليات الانتخاب في المراكز الانتخابية، وعمليات فرز الأصوات، من قبل القضاء ومنظمات المجتمع المدني ووكلاء المرشحين، كما يحدد شروط الاعتراض والطعن. فإن قانون الانتخاب هو ما يحدد طبيعة الدستور، الذي ستضطلع الجمعية التأسيسية بكتابته واستفتاء الشعب فيه.

وإذ يعد الدستور صيغة قانونية للعقد الاجتماعي أو الميثاق الوطني، فإنه ينطوي على مبادئ أخلاقية، من أهمها الثقة المتبادلة والاحترام المتبادل والتعاون والتضامن والاعتماد المتبادل بين الأفراد المختلفين والجماعات المختلفة، فيضمن بذلك التنافس السلمي، وتداول السلطة، والتشارك الحر في الحياة العامة وحياة الدولة.

ولا تتأكد البطانة الأخلاقية للدستور إلا إذا قام على أساس عمومية الدولة وتساوي جميع مواطناتها ومواطنيها في عضويتها. فعمومية الدولة هي أساس العدالة السياسية، فلا يمكن أن توصف الدولة بأنها عربية أو إسلامية أو بأي صفة من صفات الأشخاص الطبيعيين وتكون دولة وطنية. الوطنية، بمعناها السياسي هي العمومية، عمومية الدولة وعمومية جميع مؤسساتها. والعمومية هي القاعدة السياسية والأخلاقية، التي تقوم عليها حقوق الإنسان والمواطن، والتي تحول دون تحكم العصبيات في الحياة العامة.

فلا يمكن التحرر من العصبيات العشائرية والإثنية والدينية والمذهبية والأيديولوجية، التي تنطوي جميعها على الأصولية والتطرف، وتحمل كل منها جرثومة العنف، الذي يمكن أن يتحول إلى إرهاب، وتحول بذلك دون تشكل فضاء وطني عام وحياة اجتماعية سليمة ومستقرة .. لا يمكن التحرر من هذه العصبيات إلا بعقد اجتماعي جديد بين مواطنات حرائر ومواطنين أحرار، على نحو ما وصف أعلاه.

تجاوز العصبيات غير ممكن إلا بإلغائها سياسيًا، أي بألَّا يترتب على وجودها التاريخي وانتماء الأفراد إليها أي أثر سياسي، وألأ تنتج عن وجودها وكثرة أفرادها أو قلتهم أي نتيجة سياسية. ولا يتحقق ذلك إلا حين تكون الدولة محايدة حيادًا إيجابيًا إزاء انتماءات مواطناتها ومواطنيها ومعتقداتهم، لا منحازة إلى أي منها ولا معادية لها، كما كانت الحال عندنا منذ أكثر من نصف قرن. فانحياز الدولة إلى أي منها أو معاداتها لأي منها يثلم وطنيتها، أي عموميتها، ويتسبب في انتعاش العصبيات وتوترها، وتسمى الدولة في هذه الحال “دولة ناقصة”. العصبيات واقع تاريخي، لا يزول إلا بزوال أسبابه، ومن أهم هذه الأسباب انحياز الدولة إلى بعضها، وتهميش بعضها الآخر، وهذه كانت حال “دولة البعث” في سورية والعراق، وحال دول “عربية كثيرة.

 

تاسعًا: مبادئ أساسية في الرؤية

ما تقدم كله يقتضي:

1 – تجاوز مفاهيم المجتمعات المتخلفة أو المتأخرة والدول النامية والعالم الثالث .. أو الاستغناء عنها، لأنها تعين أحكامًا مسبقة ونماذج ناجزة. إذ لا تخلو هذه النماذج وتلك الأحكام من رؤية استشراقية مستبطَنة تعزز الشعور بالدونية إزاء العالم المتقدم، وتعمق مشاعر الكراهية لـ “الغرب” والرأسمالية وكل ما يتصل بهما، وتولد سلوكًا تعويضيًا قوامه السلفية والأصولية والحنين.

2 – إرساء مبادئ رؤية نقدية للحداثة، بوصفها سيرورة تمدن عالمية (إنسانية) شاملة، وعدم خلط منجزاتها التاريخية (الإنسية والعقلانية والعلمانية والديمقراطية والمجتمع المدني والدولة الوطنية ومبادئ المساواة والحرية والعدالة وحقوق الإنسان والمواطن/ــة ..) بمثالب الرأسمالية عمومًا والرأسمالية الاحتكارية المتوحشة خصوصًا، أو بالعولمة المبتورة والنزعات الإمبريالية المصاحبة للقومية على طول الخط.

3- الانطلاق من واقع مجتمع يتفكك / مجتمع يتشكل، لتلمس أسباب التفكك وديناميات التشكل وآثار الأولى في الثانية (التغذية الراجعة أو إعادة الإنتاج) وانعكاسات الثانية على الأولى، في سياق سيرورة الحداثة والتمدن. فالبنى الاجتماعية لا تستجيب لمقتضيات الحداثة والتمدن بدرجات متساوية وفي وقت واحد.

 

من أبرز هذه المبادئ:

  • الإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان، ولكنه يظهر بصور مختلفة باختلاف شروط وجوده التاريخية، البيئية والاجتماعية – الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية، مع أنه صانع هذه. ما يقتضي نقد هذه الشروط والملابسات في ضوء معايير إنسانية عامة، ومقبولة من الجميع، لأنها إنسانية عامة. هنا يرتبط التاريخي بالواقعي، ويكشف التاريخ عن مغزاه الأعمق بصفته تحقق ممكنات على حساب ممكنات أخرى باطراد، وأن البشر هم من يرجحون ممكنًا على غيره من الممكنات بإراداتهم المتنافسة، ولكن ليس على هواهم، بحكم التنافس ذاته.

المدني حدّ وقيد، يحدّ الطبيعي ويقيِّده. من ثمّ، فإن سمو الرابطة الإنسانية على غيرها من الروابط  العرقية والإثنية والقومية، ومن ثم سمو الروابط الاجتماعية (الوطنية) على غيرها من الروابط، الأولية التي تنسج الجماعات ما قبل المدنية وما قبل الوطنية، من أبرز مظاهر التمدن ومن أهم معاييره، ومن أبرز منجزات الحداثة. تفرق الرؤية هنا بين الحضارة والمدنية، على اعتبار أن الثانية، أي المدنية، تجاوزٌ جدليٌّ للحضارة، وعلى هذا النحو تفرق بين الحضارة والمدنية، وتفرق من ثم بين الرعوية، التي وسمت الحضارة، وبين المواطنة التي تسم المدنية.

  • الإنساني يؤسس الوطني، ويفتح إمكانات نموه وارتقائه، لا العكس، هنا يكمن رهان العلمانية ورهان الديمقراطية أيضًا. على اعتبار العلمانية عقلانية إنسية أو عقلانية أخلاقية، إذا جاز التعبير، ويجب أن تكون حدًا على العقلانية الأداتية، علاوة على كونها النسغ الحي للديمقراطية.
  • العلمانية، منظورًا إليها بمنظار المواطنة المتساوية، شرط لازم لتشكل فضاء وطني عام، وهوية وطنية، ذات نسغ إنساني. إعادة تعريف العلمانية من منظور المواطنة والتشارك الحر في الشؤون العامة وحياة الدولة، على اعتبار الدولة شخصًا اعتباريًا، قانونيًا وأخلاقيًا، محايدًا حيادًا تامًا إزاء انتماءات المواطنات والمواطنين ومعتقداتهم واتجاهاتهم، واعتبار المواطنة أو المواطن، مثل الدولة، شخصًا قانونيًا وأخلاقيًا، ونؤكد على الصفة الأخلاقية واقتران القانون بالأخلاق. من ثمّ، فإن حكم القانون الوضعي، الذي يضعه البشر لأنفسهم، وبوسعهم تعديله أو تغييره، من أهم صور العلمانية وأكثرها جلاء. كما أن المساواة بين النساء والرجال لا تستقيم إلا بالتساوي في الإنسانية والتساوي في المواطنة، لأن الإنسانية والمواطنة صفتان لا تقبلان التفاوت والتفاضل. ومن ثم فإن حقوق الإنسان وحقوق المواطَنة مرجع لا غنى عنه، في هذا المجال.
  • الحرية قوام إنسانية الفرد الإنساني ذكرا و / أو أنثى، من دونها يتحول الفرد أو تتحول إلى مجرد كائن بيولوجي، عاقل، ولكنه غير أخلاقي. ما يقتضي أن تكون الأخلاق عقلًا عمليًا، حاكمًا على “العقل الأداتي” و”العقلانية الأداتية”.
  • الحرية تقتضي المسؤولية، وهذه، أي المسؤولية، تجعل الحرية نسبية دومًا، وفي متناول الأفراد وأمامهم وفوقهم. ومن أهم معاني المسؤولية مسؤولية الفرد عن إنسانيتها أو إنسانيته، ومن ثم، عن بيئتها أو بيئته الطبيعية والاجتماعية والثقافية والسياسية والأخلاقية. هذه البيئة هي المجتمع المدني والدولة الوطنية. البيئة هي عالم الإنسان ومن إنتاجه، الذي لا يزيد على كونه إنتاج ذاته. الحرية، بما هي مسؤولية إنسانية، هي التي تقتضي القانون، وتمنحه مضمونه الأخلاقي، في كل مرحلة من مراحل تطور المجتمع.
  • الاستقلال الكياني للأفراد إناثًا وذكورًا رائز أساسي من روائز التمكّن، وشرط رئيس من شروط إمكان العلاقات الأفقية والتمتع بالحريات المدنية والحقوق المدنية، في مؤسسات حديثة.
  • الاحتكام إلى القانون الوضعي لا يلغي حق الأفراد في الاحتكام إلى الأعراف والتقاليد والمرجعيات الثقافية والأخلاقية، في حيواتهم الشخصية، لأن المجتمع المدني فضاء من الحرية. وهذا وجه من وجوه الاختلاف بين المجتمع المدني الذي يمارس فيه الأفراد والجماعات عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم، وبين الدولة بصفتها “مملكة القوانين”.

 

عاشرًا: مرتكزات للعقد الاجتماعي الجديد

1- الجمهورية السورية دولة مستقلة وذات سيادة، عضو في هيئة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، وغيرهما من المنظمات الدولية والإقليمة.

2- الشعب السوري هو صاحب السيادة على أرضه، وصاحب الحق المطلق في اختيار نظامه الاجتماعي، وتقرير مصيره. وهو مصدر جميع السلطات. ويمارس الشعب سلطته عن طريق البرلمان والمجالس المحلية المنتخبة، ومؤسسات المجتمع المدني.

3- الشعب السوري نسيج اجتماعي تاريخي، منذ تشكلت سورية دولة معترفًا بها من جميع الدول والمؤسسات الدولية والإقليمية، تربط أفراده علاقات المواطنة المتساوية والصداقة المدنية، ويتشاركون في الحياة العامة وحياة الدولة على قدم المساواة، ويتطلعون إلى الديمقراطية والعدالة، والتمتع بالحريات الخاصة والعامة والحقوق المدنية والسياسية، على قدم المساواة.

4– المواطنات والمواطنون متساويات ومتساوون في الكرامة الإنسانية والكرامة الوطنية والحقوق المدنية والسياسية. وتساوي النساء والرجال مبدأ أساسي من مبادئ الدستور وقوانين الدولة، ترفع بمقتضاه جميع أشكال التمييز القانونية والعرفية، وجميع أشكال الحيف والعنف والتهميش وهدر الإنسانية، الواقعة والتي يمكن أن تقع على النساء، ويجرم أي قول أو فعل يخالف هذا المبدأ، كما يجرم التمييز على أي اعتبار إثني أو ديني أو مذهبي أو جهوي أو على أساس الثروة والمكانة الاجتماعية، خاصة من قبل السلطة التنفيذية وأشخاصها ومؤسساتها.

5– الحرية والمساواة ركنان من أركان المواطنة المتساوية، التي يكفلها الدستور والقانون، وركنان من أركان العدالة الاجتماعية، لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى. المساواة والحرية والعدالة هي المبادئ الدستورية الحاكمة، وبموجبها تتحدد الوظائف الأساسية للدولة ومؤسساتها كافة، وعلى أساسها تتحدد مشاريع التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والبشرية والإنسانية. ولا تتحقق العدالة إلا بتوازن الحرية والمسؤولية، وتوازن الحقوق والالتزامات القانونية والأخلاقية.

6– كل فرد بالغ، ذكرًا كان أم أنثى، من مواطنات الدولة ومواطينها، شخصية قانونية وأخلاقية مستقلة، لا يجوز لأي سلطة اجتماعية أو ثقافية أو دينية أو سياسية أو أمنية أن تتدخل في حياتها الخاصة، بجميع جوانبها، أو تحول دون مشاركتها الحرة في الحياة العامة وحياة الدولة، أو تعرضها لأي شكل من أشكال الضغط والإكراه. ولا تجوز مساءلتها أو تقييد حريتها وحقوقها إلا بطلب من النيابة العامة أو بحكم قضائي مبرم.

7– وظائف الدولة كلها وظائف اجتماعية تقوم على مبدأ الحريات المتساوية والحقوق المتساوية، وهي واجبات ملقاة على عاتق مؤسساتها. من حق المواطنات والمواطنين مراقبة جميع مؤسسات الدولة وتقييم أدائها ونقدها ومساءلتها، عن طريق البرلمان والمجالس المحلية والصحافة ووسائل الإعلام الحرة، ومؤسسات المجتمع المدني. ومن حق أي مواطن أن يقاضي أي مؤسسة وأي مسؤول حكومي، بمن في ذلك الوزراء ورئيس الوزراء ورئيس الجمهورية.

8– الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، والمواثيق والعهود التي أقرتها المنظمات الدولية ذات الصلة، والأعراف الإنسانية لحقوق المواطنة والمواطن، كلها جزء أساسي من الدستور، من دون أي تحفظ. وللقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني أولوية على القوانين السورية، بما لا يتعارض مع سيادة الدولة واستقلالها ومصالحها المشروعة.

9– تقيم الجمهورية السورية جميع علاقاتها الخارجية، الإقليمية والدولية، على مبادئ السيادة والاستقلال والتكافؤ والاحترام المتبادل، وفقًا للمصالح الوطنية التي يقررها الشعب، ممثلًا بالهيئة التشريعية، ومبدأ التعامل بالمثل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ولا يجوز للسلطة التنفيذية أو لأي جماعة خاصة أو حزب سياسي أن تقرر وحدها أو يقرر وحده ماهية هذه المصالح.

10– الحقوق الوطنية لا تسقط بالتقادم، لذلك تعمل الجمهورية السورية على استعادة الأراضي السورية التي تحتلها إسرائيل، منذ عام 1967، بالطرق السلمية وإشراف الأمم المتحدة، وذلك وفقًا لسعيها إلى إقرار الأمن والسلام في المنطقة والعالم، وإلا فبأي طريقة يقررها الشعب. كما تعمل على ترسيم الحدود مع دول الجوار واحترامها، وتسوية قضية لواء اسكندرون مع الجمهورية التركية أمام محكمة العدل الدولية، وفقًا لإرادة السكان.

11– البرلمان السوري وحده المخول بإقرار الاتفاقيات البينية والمعاهدات الدولية، أو نقضها. وهو الوحيد صاحب الحق المطلق في اتخاذ قرارات الحرب والسلم، وفرض حالة الطوارئ في أوقات الحرب أو القلاقل الداخلية أو الكوارث الطبيعية. وللبرلمان أن يفوض رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء مجتمعين باتخاذ قرار الحرب أو فرض حالة الطوارئ في الحالات الاستثنائية، التي يتعذر معها اجتماع البرلمان، ويناقش البرلمان هذه القرارات في أول اجتماع له، ويتخذ القرارات المناسبة بصددها.

12– تحترم الجمهورية السورية جميع المعاهدات والمواثيق البينية والدولية، وجميع قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، مع احتفاظها بحقها المشروع في مراجعة المعاهدات والاتفاقيات الجائرة أمام المنظمات الدولية.

13– اللغة العربية هي اللغة التي تعتمد في جميع مؤسسات الدولة، واللغة الكوردية هي التي تعتمد في المناطق ذات الأغلبية الكوردية إلى جانب اللغة العربية. ويحق لجميع “القوميات” إصدار الصحف والمجلات والمنشورات وتأليف الكتب وترجمتها، وممارسة النشاط الثقافي بحرية، وإنشاء الإذاعات والمحطات التلفزيونية الخاصة، والمدارس والمعاهد والجامعات الخاصة، بلغاتها، لإنماء ثقافاتها وإغنائها، وتنشيط حركة الترجمة فيما بينها، ومن اللغات الأجنبية وإليها، من أجل تأسيس حقل ثقافي مشترك والإسهام في الثقافة العالمية.

14– النظام السياسي للدولة ديمقراطي، رئاسي أو رئاسي برلماني، يقوم على اللامركزية الموسعة، وفصل السلطات، واستقلال القضاء استقلالًا تامًا عن السلطة التنفيذية.

15– تخضع الأحوال الشخصية كافة للقانون المدني العام، مع حق الأفراد في اللجوء إلى المراجع والمؤسسات الاجتماعية والدينية، لإنشاء العقود الأولية، كعقود الزواج والمواريث والقوامة والإعالة والوصاية ..، وفض النزاعات صلحًا وتوافقًا، على أن توثق لدى الكاتب بالعدل، ولا تصبح عقود الزواج والطلاق والمواريث نافذة إلا بعد تسجيلها في السجلات المدنية المعنية بها، إلا في حالات التقاضي، فالمحاكم المدنية وحدها معنية بذلك، وللأحكام القضائية أولوية على الأحكام العرفية، وهي التي تنفذ، بإرادة الراغبات أو الراغبين في تنفيذها.

 

 

حزب الجمهورية (قيد التأسيس)                                      اللقاء الوطني الديمقراطي

 

15 شباط/ فبراير 2018

 

اضغط هنا لتحميل الوثيقة
 

3 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *