الخطاب الإسلاموي المعاصر؟ (دراسة نقدية)

الكاتب : أحمد الرمح

دراسة نقدية للخطاب الإسلاموي المعاصر وابتعاده عن خط الرسالة؛ يبحث في أزمة ذلك الخطاب وأسبابها من خلال المحاور االتالية:

  • الماضوية في الخطاب الإسلاموي المعاصر؟.
  • اعتماده على ثقافة السلة الواحدة؟.
  • المذهبية والطائفية في الخطاب الإسلاموي المعاصر؟.
  • فشله في مواكبة الحداثة؟.
  • الاستعلائية في خطابه؟.
  • نظرية المؤامرة عليه؟.
  • الخاتمة.

المدخل:

دون أدنى شك الفارق كبير بين خطاب النبوة والخطاب الإسلاموي المعاصر، فخطاب النبوة كان تشاركيًا مع الأطراف المعاصرة له دون إلغائية فكرية أو فيزيولوجية، وأما أحاديث الإلغائية المنسوبة له فإنها لا تصمد أمام آيات الدعوة والرحمة والإنسانية مهما حاولوا الدفاع عنها. وفي هذا الجانب نجد عديد الآيات في أثناء سور القرآن الكريم، منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى:

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ.(يونس:108)

وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ.(الكهف:29)

فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ.(الغاشية:12+22)

ولم يتوقف خطاب النبوة عند الدعوات النظرية إنما مارسها سلوكًا إنسانيًا، وجعل من التشاركية هدفاً استراتيجياً له، وأكتفي بإنارتين في هذا الإطار، تتمثل الأولى بصحيفة المدينة التي احتوت المكونات الاجتماعية والعَقَدية كلها من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية وحماية المواطن، والثانية سلوك النبوة مع قريش عند فتح مكة، إذ لم يتعامل معهم بثقافة الانتقام أو الثأر، إنما ذهب باتجاه التشاركية معهم، ليؤسس ثقافة العفو ذات الأصل القرآني دون إكراه لأحد على الإسلام، حتى أنه استعان لوجستياً بما يملك رأس الشرك(صفوان بن أمية) من عتاد في معركته ضد (حُنين).

أما الخطاب الإسلاموي المعاصر فيعيش أزمة أنتجت سلوكاً إلغائياً للآخر، طغى عليه المنطق الداعشي، حتى وصل إلى(مكارثية)غير مسبوقة. ولا شك بأن تيار الإسلام السياسي عانى اضطهاداً بشعًا من الأنظمة المستبدة، وخلافاً حاداً مع بعض العلمانويين، ولكن ذلك ليس مبرراً على الإطلاق أن يذهب في ثقافة الكراهية تجاه الآخر، حتى أسس للإلغاء الفيزيولوجي وبرّره بفتاوى تكفيرية للأقدمين استباحت الآخر، وقطّعت خيوط الوصل معه إلى أمد بعيد.

ولكن ما أسباب أزمة هذا الخطاب؟.

لا أريد أن أتحدث عن الجانب الموضوعي في هذا المقام، وقد أشرتُ لبعضه آنفاً، إنما أريد البحث في الذاتي إيماناً مني بأن المراجعات والنقد البناء في معالجة الخلل أنجع بكثير من ترحيل الأزمة تجاه الآخر.

الحقيقة التي يجب أن نعترف بها أن ذلك الخطاب ابتعد كثيراً عن الخط القرآني ذي المقاصد الإنسانية التشاركية، واقترب كثيراً من الاتجاه القطيعي الإلغائي، فالتربية الدينية لدينا يشوبها كثير من الخلل، جعلها خارج النسق الحضاري المتعايش مع الآخر، وتحتاج إلى إعادة بناء معرفي وإنساني حتى يصمت خطاب كراهية الآخر واستعدائه مجاناً، مما يؤدي إلى خسائر استراتيجية ضارة بحال المسلمين وسمعة الإسلام، وتتوقف عملية هدر الطاقات الشبابية التي نفتقدها يومياً بتقديس ثقافة الموت وكراهية ثقافة الحياة، وإليكم بعض أسباب الأزمة.

أولاً: اعتماد الماضوية كمرجعية في الخطاب:

يعتمد الخطاب الإسلاموي المعاصر كثيراً على مذاهب السابقين وفتاواهم التاريخانية وهي رؤى ماضوية لها ظروفها، ليجعل منها الموجه الأساس لفكره وسلوكه، فما أفتى به الفقهاء القدامى على ملة ما أو طائفة أو جماعة، لا يزال التعامل معه كمقدس تراثي واجب الأخذ به، لذلك نجده حاضرًا في الخطاب الإسلاموي، وكأن الأجيال المعاصرة من تلك الملل أو النحل هي نسخة طبق الأصل من أسلافهم الذين يبتعدون عنهم زمنياً أكثر من ألف سنة، دون الأخذ بعين الاعتبار تغير شكل الدولة وتطوره وطرائق تعاملها مع مواطنيها، وبالتالي فإن اعتماد الأحكام الماضوية على ذرية الآخر المتعايش معنا ويحمل تطابقًا كبيرًا مع همومنا أدت إلى أزمة يعيشها الخطاب الإسلاموي في التفريق ما بين عصرين مختلفين في الشروط والواجبات. عصر الاختلاف وعصر المواطنة، عصر الإمبراطوريات وعصر دولة المواطنة، فاعتماد الخطاب الماضوي وضع تلك الذرية مع أقدميهم في سلة واحدة، هي عقلية (شنآنية) مرفوضة قرآنياً، إذ إنّ المبدأ القرآني يقوم على:

وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.(الأنعام:164)

في حين أن الخطاب المعاصر مصرٌّ على أنّ هذا الخَلَف يحمل الأفكار ذاتها للسلف، وهذه النمطية في التعامل بحاجة كبيرة لمراجعات جادة.

ثانيًا: ثقافة السلة الواحدة:

سيطرت الماضوية وتأثيرها في البنية الفكرية الإسلامية، و جعلتها تسير عكس الاتجاه القرآني في حكمها على جماعة ما أو شعب أو طائفة بعينها، لتحكم بشمولية كما لو أنها من ذات النمط التفكيري أو الاعتقادي لإسلافهم. وهذا التعميم في الخطاب الإسلامي ووضع الآخر في سلة واحدة مرفوض قرآنياً وأخلاقياً، إذ إن القرآن الكريم يرفض ثقافة السلة الواحدة، ويُفرِّق بين أبناء المجموعة الواحدة، ولهذا وجدناه بحديثه عن اليهود في ذروة الخصومة الاعتقادية لا يضعهم في سلة واحدة إنما يفرِّق بينهم إذ قال:

وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.(الأعراف:168)

ورفض القرآن ثقافة السلة الواحدة تجاه الآخر المختلف معك عقائدياً:

لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ.(آل عمران:113)

وأكد أن منهم الأخلاقي في المعاملة ومنهم ما دون ذلك:

وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً.(آل عمران:75)

هناك رجالات وشعوب تعاطفت مع قضايانا مايزال الخطاب الإسلاموي يوصمها جملةً واحدة بالكفر والإلحاد والصليبية، ليضعهم جميعاً في سلة واحدة، رغم أن خطاب النبوة لم يتحدث مطلقًا بهذه اللغة! فعندما ضاقت الأرض على المؤمنين في مكة، نصحهم بالذهاب خارج أرض العروبة بقوله: إن في الحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحد. كما نتذكر في هذا العصر جماعة حراس المدينة اليهودية(ناتوري كارتا) وموقفها المشرف من الصهوينة.

فإن أردنا أن نخرج من ثقافة القطيعة، لنكسب الآخر حتى يكون محايداً على الأقل، علينا أن نبتعد عن خطاب السلة الواحدة، فدائرة الأخوة الآدمية المُكرمة من الله تسعنا جميعًا، ودونها دائرة الإيمان بإله واحد، وكذلك دائرة المتعاطفين مع قضايانا، ولنا في هذا المقام(الأب باولو)المتعاطف مع السوريين وما فعلت به ثقافة السلة الواحدة؟ والأولى من هؤلاء وأولئك أبناء جلدتنا من علمانيين وقوميين وأمثالهم من المكونات الأخرى التي لا يستطيع أحد إنكار وطنيتهم وتفانيهم وإخلاصهم، فليس من العدل وضعهم في سلة واحدة والحكم عليهم ككفار ومرتدين وخصوم.

السبب الثالث: المنطلق المذهبي:

الخطاب الإسلاموي ما انفك حتى اللحظة خطاباً مذهبياً مقعراً يرفض مَنْ هم داخل الدائرة الإسلامية السًنية لاختلافهم معه في اجتهادات فقهية أو رؤية عقدية، متناسين أن مصطلح مذهب يعني وجهة نظر اجتهادية لم يدّعِ صاحبها العصمة، ولا قال بصوابيته المطلقة، إلا أن أتباع المذاهب ذهبوا إلى قطيعة مخجلة فيما بينهم، وحتى فترة قريبة كان الدمشقيون يؤدون الصلاة الواحدة بأربع جماعات، ولا تزال محاريب المذاهب الأربعة موجودة في الجامع الأموي  حتى يومنا هذا.

لا نزال نعيش مصطلحات عند المؤدلجين لم يعد لها وجود في عصرنا، لكن أصحاب هذا الخطاب أعادوا انبعاثها اليوم بين الفصائل الإسلاموية المتعسكرة، حتى سمعنا مصطلحات في الحالة السورية اندثرت منذ أكثر من ألف سنة، أُعيد إحياؤها ليعمقوا الجرح السوري، ويستمر نزفه كمصطلح (حَروري ومُرجئي وأشعري وماتريدي…إلخ) وحملوا السلاح ضد بعضهم بعضًا! وسفكوا الدماء فيما بينهم، ففقدوا ثقة الناس واحترامهم. ما نزال بسبب هذا الخطاب المذهبي نكفِّر المعتزلة لإعمال عقولهم، ونجَرِّم المرجئة لأنهم تسامحوا مع المخطئ دنيوياً، ونفسَّق أهل الكلام لأنهم ناقشوا وتأملوا وفكروا، ونبحث عن ابن رشد معاصر لنحرق كتبه، ونرفع راية الحاكمية لله لنكفر الآخر سياسياً.

إنّ المنطق المذهبي بدلًا من أن يدفعنا للتسابق في خدمة الإسلام جعلنا طوائف وشيعاً ومذاهب تتصارع على الإسلام، همها نُصرة مذهبها، فعقلية (الشنآن) انتقلت من كراهية الآخر إلى كراهية من يختلف معهم في الرؤية المذهبية أو الاجتهاد المذهبي.

هذه العوامل جعلت التيار الإسلاموي غير قادر على السير في طريق الحداثة، يساهم في ذلك وجود دعاة فُتِحتْ لهم أبواب الفضائيات لترسيخ تلك الرجعية التراثية، يمانعون تيار التنوير ويخاصمونه من خلال اتهامات مختلفة، خطابهم أنتج ألف مشكلة لمجتمعنا، ولم يستطع حلَّ مشكلة اجتماعية واحدة، يبث سمومه الطائفية والمذهبية ضد الآخر، ويسعر نيران الاختلاف دون أدنى محاولة لحلها، ويتغنى بتاريخ الصراعات السياسية، لا بتاريخ الإبداع والابتكار، بل إن علماء الأمة المبدعين في نظر هؤلاء الدعاة إما زنادقة أو مرتدون، وما الخوارزمي والرازي وابن الهيثم وسواهم إلا أمثلة على ذلك. حتى وصلنا إلى مساكنة التاريخ ورفض معاشرة المعاصرة، وتكنولوجيا المعاصرة تتحرش بنا وبمفاهيمنا، لكننا حولناها إلى أداة لتطوير حديّة الصراع دون محاولة للتفاهم أو حتى هدنة على الأقل! وهذا ما ولّد أزمة أخرى لهذا الخطاب تتمثل بـفشل مواكبة الحداثة.

رابعًا: الفشل في مواكبة الحداثة:

الأوطان والمجتمعات تبنى على الثقة بين مكوناتها على اختلاف اعتقاداتهم وايديولوجياتهم، والدولة المعاصرة حيادية، وتُبنى على مفهوم المواطنة أي الحقوق الكاملة غير المنقوصة، وأن هناك نصوصاً قيلت لظرف محدد ومعين، لا يجوز استحضارها في زمن آخر ومكان آخر، لما في ذلك من خلل وإساءة للإنسان الذي كرمه الله ودعا إلى تكريمه بغض النظر عن دينه وعرقه ولونه:

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً.(الإسراء:70)

علينا إدراك أنّ النصوص ثابتة، ووقائع الحياة متبدلة، ومقابلة الثابت بالمتبدل، سيؤدي لاضطرابات كثيرة اجتماعياً واقتصادياً وسلوكياً، وليس أمامنا إلا أن نحرك الثابت أو نثبت المتحول، ومادام تثبيت المتحول والمتبدل مستحيلًا، لا بد من الاجتهاد في الثابت، لتحقيق العدل الذي هو روح النص وعلته. ومخالفة نصّ ما لتحقيق العدل، أرقى دينياً وأخلاقياً وإنسانياً من إيقاع الظلم بذريعة الالتزام بالنص. وهذه قيمة سماوية الأخلاق، تخالف رؤية مَنْ يرى أنّ نصاً ما على علته، يجب التمسك به والعمل فيه، حتى  لو خالف تلك القيمة الإنسانية الأخلاقية وهدي السماء.

إنّ مجتمعاتنا تعاني تخلفاً علمياً وحضارياً كبيرين مقارنةً مع المجتمعات الغربية. حتى أصبحنا نبتعد عن حركة الحضارة العالمية سنوات ضوئية! وهذا له أسبابه وعلى رأسها الاستبداد القامع لحرية الإبداع، واتباع دعاة كل همهم مهاجمة الحداثة، وكأنها رجس من عمل الشيطان. نتيجة هذا التخلف أصبحنا نتحدث في خطابنا عن الغرب بطريقة تربصية، نبحث عن النقاط السوداء لنضخمها بشكل مفزع، ونتغافل عن النقاط البيضاء المسببة لنهضته، هذه التربصية في الخطاب الإسلاموي جعلتنا ننكر كل تقدم يحققه الغرب سياسياً وإنسانياً، فمن أهم شروط مواكبة الحداثة الإيمان بالديمقراطية والمواطنة والحرية، إلا أن الخطاب الإسلاموي ذا عقلية(الشنآن)لايزال يتحدث عن الديمقراطية بوصفها شركاً بالله لا شراكة، ويستخدم الديماغوجية ضدها مستعيناً بقراءة عِضينية للحاكمية الإلهية، وتتحكم برؤيته لمفهوم المواطنة اجتهادات فقهية عفا عليها الزمن كمصطلح (أهل الذمة)، وهو اجتهاد فقهي وليس أمراً إسلامياً، مع هذا لا يزال عقبةً أمام مفاهيم واستحقاقات المواطنة وتطور شكل الدولة.

وعندما ترتفع أصوات المقهورين مطالبة بالحرية يلتفون عليها بأنها مطالب بالتحلل الأخلاقي! وربما يعود السبب في هذا إلى أن الكبت الجنسي الذي ربينا عليه هو ما يدفعهم لهذا التحليل، دون أن يبينوا أن الحرية هي حرية الرأي والنقد والتعبير، والرسول أول مطالبه من قريش كانت الحرية(خلوا بيني وبين الناس)لا شك أن الحضارة الغربية فيها سلبيات إلا أن إيجابياتها أكثر بكثير من سلبياتها فلماذا التركيز على سلبياتها وإهمال الإيجابيات والله يقول:

وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.(المائدة:8)

وكعادتنا عندما نفشل في منافسة الآخر في ميادين النهضة والحضارة والتنمية، نهرب في خطابنا ماضوياً لنتحدث عن أمجاد سالفة، فمن يُكثر الحديث عن التاريخ إنما يدل بشكل غير مباشر على فشله في الحاضر والمستقبل. وهذا يقودنا إلى سبب آخر يؤكد أزمة هذا الخطاب.

خامسًا: الاستعلائية في الخطاب:

يعاني هذا الخطاب من اعتقاده الجازم بامتلاكه الصوابية المطلقة في كل ما يطرحه، إنه خطاب يتحدث بلغة الوصاية على البشرية كلها، ويدعوهم بالقهر لا بالحكمة! مستندًا إلى حديث منسوب لرسول الله(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)، وكأن البشرية قاصرة ونحن وحدنا نملك الرشد! حتى جعلنا الله سبحانه وتعالى وحدنا خصماً لكل البشرية، علماً أن أول تعريف عرّف الله به نفسه في القرآن الكريم أنه رب للعالمين.

لقد جعلنا من الله سبحانه زعيماً دينياً لنا وحدناو تخلى عن الآخرين، وخلقهم ليزجّ بهم في الآخرة بجهنم بعد أن نقتلهم في الدنيا! ثم اختلفنا على الله فيما بيننا! وآمنا بكذبة (الفرقة الناجية) ليذبح بعضنا بعضًا!! ففي دراسة نشرتها مؤخرًا مجلة (نيويورك تايمز) بينت أن70% من ضحايا هجمات السلفية الجهادية هم من المسلمين أنفسهم حتى قالت: إن العرب اليوم يحاربون العرب ويدمرون بلادهم بأيديهم، وإسرائيل ليست مسؤولة عما يفعله المسلمون بأنفسهم، ومن حقها أن تشعر بالراحة والأمان طالما أن العرب تكفلوا بتدمير بلادهم.

إن الاستعلائية في الخطاب الواضحة في الأحاديث المنبرية والتربية الإسلامية تجاه الآخرين شكلت ردة فعل لديهم لتهدم جسور التواصل والتشاركية معهم.

سادساً: الاتهامية للآخر(نظرية المؤامرة):

يحمل هذا الخطاب اعتقادًا بأن العالم كله يتآمر علينا، وهذا نتيجة الإيمان بثقافة السلة الواحدة التي بينّاها آنفًا، حتى أصبحت نظرية المؤامرة جزءاً لا يتجزأ من خطابنا، مما يشجع ثقافة الإلغائية وينميها عند الناشئة، فخطابنا مع الآخر اتهام، نحن نتهم الحضارة الغربية بأنها حضارة مادية ونتغافل عما قدمته علمياً! ونشكك بنوايا من يعيش بيننا لنتهمه بالعمالة للخارج، ولا نثق بالعلمانيين والقوميين رغم أن كثيراً منهم معنا بنفس الخندق في صراعنا مع الاستبداد، وإذا ما اجتهد إسلامي وقدم رؤية معاصرة للدين تنهال عليه الاتهامات بالعمالة لجهةٍ ما والمروق من الدين لتصل إلى الكفر والردة لاستباحة دمه! وبمنطق الاتهامية يتهرب أصحاب هذا الخطاب من مقارعة الآخر علمياً ومنطقياً وحوارياً لعدم قدرتهم على ذلك.

ختاماً:

إن هذا الخطاب الرافض للآخر الداعي للتصارع معه حتى الموت، المختلف حتى مع المسلم الآخر، أوصلنا إلى هذه المأساة التي نعيشها، أدى إلى صراع فيما بيننا حتى دمرنا بلادنا وساهمنا بذبح أولادنا تحت ذرائع مختلفة.

ولا يزال هذا الخطاب تُفتح لها أبواب الفضائيات المستفيدة من استمراره والمحرضة على بقائه، وهذا يعني أن دائرة الاقتتال وسفك الدماء ستبقى مفتوحة، وأن التخلف والانحطاط سيبقى مستمراً، فإما أن نهرع لمراجعات حقيقية لمفاهيم كثيرة وثقافات متعددة، وإما أن يبقى نصيبنا من العالم كله التخلف والهزيمة، ليبقى مجتمعنا منبوذاً خارجاً عن نسق الركب الحضاري، ونبقى عالةً على الغرب الذي نصمه بالكفر واللاأخلاقية، ثم نهرع في أزماتنا طالبين اللجوء إليه بحثاً عن الأمن والأمان.

إن المراجعات المطلوبة يجب أن تكون جادة، ويجب أن يقوم بها الجميع على مختلف أيديولوجياتهم القومية والعلمانية، والخطاب الإسلاموي ينبغي عليه التحول من خطاب ثقافة السلة الواحدة تجاه الآخر ونظرية المؤامرة والمذهبية الضيقة إلى رحابة الأخوة الإنسانية، ومن خطاب الهمِّ والغمَّ وعذاب القبر وجهنم بأسلوب أفلام الرعب، إلى خطاب حب الحياة والاستمتاع بها، ولنا في الكلمات الخالدة لرسولنا الكريم لمن أرادوا هجر متعة بالحياة خير دليل: حُبب لي من دنياكم الطيب والنساء وجُعلت قرة عيني الصلاة.

المصدر , موقع الشرق الاوسط وشمال افريقيا للدراسات                                          http://www.mena-monitor.org/ar/page146)
1 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *