مدونة سلوك

صادرة عن هيئة العمل المشترك بتاريخ 30 أيار/مايو 2018

 

مقدمة

ارتبط الحزب السياسي بالحياة البرلمانية والانتخابات، التي تسم النظم الليبرالية والديمقراطية، كما ارتبط بعملية التحديث السياسي، التي أدت إلى تحول جذري في الهياكل الأساسية للمجتمعات، بدءاً من الأسرة وصولاً إلى الدولة، ومروراً بالمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني، هذا التحول هو الذي جعل منها مجتمعات مدنية حديثة. وقد أدى الارتباط بين  »الحزب « و»التحديث السياسي « في الدراسات السياسية إلى أن اهتمت أدبيات » التنمية السياسية « على وجه الخصوص، بالدور التحديثي للحزب السياسي. بل لقد نظر إليه باعتباره من أكثر المؤسسات أهمية في هذا المضمار، أو أنه رمز »للتحديث السياسي« ؛ مثلما تمثل السدود والمصانع رموزاً للتحديث الاقتصادي، ووُضع الحزب، في هذا الإطار، مع مؤسسات وعناصر أخرى أنيطت بها مهام التحديث والتنمية السياسية.

ولما كانت المشاركة، أو التشارك الحر والمبدع في الحياة العامة وحياة الدولة من أهم المعاني التي ينطوي عليها مفهوم الحزب الحديث، فإن “جوهر المشاركة هو أن تكشف لي عملاً يتراءى لي، في لحظة قيامي به، كأنه عملي، وليس عملي في آن. كأنه كلي وشخصي في آن. بدلاً من القول شيمةَ العامة إننا جزء من العالم، سنقول إننا نشارك في العملية التي لا ينقطع العالم عن القيام بها. “لا توجد مشاركة في كون متحقق، متكِّون، يمكنها أن تجيز لنا إطلاقَ مثل هذا القول بامتلاكنا جزءاً منه .. فالمرء لا يشارك إلا في عمل هو في طريقه إلى التحقق، لكنه يتحقق أيضاً فينا وبنا، بفضل عملية أصلية”. و”على الدوام تحتفظ المشاركة في ذاتها بطابع شخصي، ليس فقط لأنها تفترض فعل الشخص، بل أيضاً لأنها بدلاً من وصلنا بمبدأ كلي ومجرد، تصلنا بكائن آخر حي وعيني، نعترف بحضوره في كل مكان، ونكِّون معه جماعة، ونعقد أواصر صداقة”.

لعل هذا التحديد لمعنى المشاركة يؤسس الوعي الحزبي والسلوك الحزبي على وحدة الشخصي والكلي أولاً، وعلى المشاركة في العملية التي لا ينقطع العالم عن القيام بها، أي عملية تشكيل المجتمع والدولة والمؤسسات، وفي كل ما له طابع الإمكان والمستقبلية، إذ الناس لا يتشاركون في شيء متحقق (حققه آباوهم وأجدادهم)، بل يتشاركون في تنمية ما هو متحقق وتطويره وتحسينه، أو في إنتاج شيء جديد، وهذا ينطبق على رؤية الحزب وفكره، وبرنامجه، وبنيته التنظيمية، ثانياً، ولا تكون المشاركة بغير وجود الآخر الحي والعيني والمعترف بوجوده في كل مكان، ثالثاً. وأنها، أي المشاركة، تكوِّن جماعة وتعقد أواصر الصداقة بين أفرادها، رابعاً. فإن “بين المعرفة والعمل أو السلوك روابط وثيقة، بها يخضع العمل أو السلوك للمعرفة؛ فلا يكون العمل إنسانياً خالصاً إن لم يأت نتيجة معرفة واسعة، تستوعب الأسباب الدقيقة، ونتيجة حرية اختيار، فيرتفع على أسس هذه المعرفة”. وبذلك تضحي المعرفة والحرية شرطيْ العمل الإنساني القويم. ومن الجدير بالاهتمام توكيد الطابع الشخصي لكل واحد وواحدة من أعضاء التنظيم والحفاظ على استقلاله والرهان على ممكناته الإبداعية، المعرفية منها والأخلاقية. في ضوء ما تقدم يمكن بحث المسائل الآتية:

  • الالتزام: التنظيمات المدنية، في المجتمعات المتقدمة، أطر اجتماعية للتواصل والتعاون والتشارك المبدع والعمل الجماعي الطوعي، وهذه كلها تقتضي الحرية، لكي يكون التواصل تعارفاً وتفاهما، والتعاون مجدياً ومثمراً والتشارك منتجاً ومبدعاً، والعمل الجماعي مفيداً للأفراد والمجتمع المحلي والمجتمع الكبير. لهذا كله لا يجوز أن يكون الالتزام متناقضاً مع الحرية أو قيداً عليها. فلكي يرتفع التناقض بين الحرية والالتزام، اقترح جان جاك روسو، في سياق تنظيره للمجتمع المدني صيغة مفادها أن من يُلزم نفسَه يظل حراً. فما يصدق على المجتمع المدني كله، يفترض أن يصدق على أي مؤسسة من مؤسساته. لذلك يحسن أن يلتزم الشخص، في أي مجال من مجالات الحياة، بما يلزم نفسه به فقط. فلهذا الالتزام الذاتي قيمة معرفية وأخلاقية، تكسب الشخص ثقة بنفسه واحتراماً لكلمته، وهذان شرطان لازمان لثقة الآخرين به واحترامهم له.

العمل الحزبي عمل تطوعي، لا يُقبل فيه أي نوع من الإجبار والإخضاع أو الإكراه. وهذا مما يمنح المؤسسة الحزبية قوة وحيوية، ويوسع خياراتها. المؤسسة القوية الفاعلة هي مؤسسة أفراد أحرار متواثقين ومتعاونين. فمن غير المناسب، ومن غير المجدي أيضاً، إجبار شخص على عمل أو تبنى رأي هو غير مقتنع به. لأن للإجبار عقابيل، لا بد أن تظهر، سواء في صيغة تكتلات أو انشقاقات، أو استقالات. يجب التعلم من الأحزاب الديمقراطية التي عمَّرت طويلاً والتي لا تفرض على الشخص شيئاً لا يتطوع للقيام به.

  • الثقة: الثقة عنصر أساسي لسلامة البنية التنظيمية لحزب أو تحالف، وهي على مستويات:

1 – ثقة متبادلة بين الأعضاء في كل مستوى تنظيمي.

2 – ثقة متبادلة بين المستويات التنظيمية.

3 – ثقة متبادلة بين المنظمة ومؤيديها، تؤدي إلى تشكل قاعدة اجتماعية متينة ودائمة، لا تخيِّب توقعات التنظيم، وتكسبها علاقاتها بالتنظيم سمة واضحة توصف بها: جمهوريون، ديمقراطيون، ليبراليون، يساريون .. إلخ.

4 – ثقة متبادلة بين الحزب وغيره من الأحزاب، تفتح له إمكانية التحالف داخل البرلمان وخارجه، ولو على قضية محددة.

الإشارة إلى المستويات التنظيمية، لا تعني البتَّةَ البنية الهرمية والتراتب القيمي بين المستويات التنظيمية، فالعلاقات السليمة هي العلاقات الأفقية والشبكية، لكن تقسيم العمل الضروري، في كل مؤسسة، يعين مستويات وظيفية، لا تفاضل بينها، ولا امتياز لواحدة منها على غيرها، حتى حين يكون المستوى التنظيمي هو مستوى القيادة. وحين يكون الحزب ديمقراطياً حقاً، يعمد إلى توزيع السلطة في داخلة توزيعاً عادلاً، فيضمن لفروعه في المناطق أو الأقاليم حرية كافية واستقلالاً كافياً، فتتأسس وحدته على الحرية، ويصح أن توصف بأنها “هوية اختلاف”. وهذا يقتضي تطوير لغة الحزب أو التحالف، واستبعاد كل ما يوحي بالأمر والنهي والوصاية والولاية، وتأسيس مناقبية عادلة، قوامها إعطاء كل ذي حق حقه، واستبعاد قيم الولاء والتملق.

  • الإسهام في تشكيل صورة المثل الأعلى الأخلاقي: ما من شك في أن أعضاء الحزب متساوون في الحقوق والالتزامات، ولكنهم مختلفون، فلا بد من تقدير الكفاءة والقدرة على المبادرة والابتكار، وتكريم المبدعين. ويحسن بالحزب أو التحالف المعني بالابتكار والإبداع أن يرعى ذلك في المجتمع، ويساهم في تشكيل صورة “المثل الأعلى الأخلاقي”، في المجتمع عامة، ولدى الناشئة خاصة، بدلاً من صورة “المثل الأعلى” الزائف، أو المستبد أو الشعبوي المنافق.

فإن وحدة المعرفة والسلوك، أي وحدة المعرفة والأخلاق، التي لا تظهر على حقيقتها إلا في السلوك، والتي ينبغي أن يحرص عليها الشخص والحزب، من شأنها أن تسهم في تشكل مثل أعلى أخلاقي، مدني، يتحد فيه الشخصي والكلي، الفردي والنوعي (الإنساني)، أو قدوة حسنة، تحظى بالقبول والاحترام. وهذان شرطان أساسيان للنشاط الحزبي، ولكن الحرص على القبول والاحترام لا يجوز إن ينزلق إلى الشعبوية وتزلف “الجماهير”، بل يقتضي المحافظة على قاعدتي السلوك الأساسيتين: المعرفة والأخلاق، ولا سيما الصدق والاستقامة والعناية بالآخرين والأخريات، وغيرها من الفضائل المدنية، وفي مقدمها العدالة في الأحكام والمواقف والتزام الحقيقة، من جهة أتت. العدالة هنا ضد التعصب والتطرف، وهذان يضران بنشاط الحزب، ثم بحياة المجتمع، إذ يولدان تعصباً وتطرفاً مضادين على الدوام.

  • النقاش أو الحوار: النقاش، بوجه عام، هو الوسيلة الفضلى لتنمية المعرفة والثقافة وتجديدهما، والسبيل الوحيد إلى إنتاج الحقيقة، وتوثيق الروابط الاجتماعية والإنسانية، وتعزيز استقلال الوجدان وحرية الضمير. ولا يؤدي النقاش أو الحوار إلى هذه النتائج ما لم يقم على قاعدة التكافؤ والاعتراف المتبادل بالجدارة والاستحقاق، والقدرة على اكتشاف الحق في خطاب الآخر المختلف، والاعتراف بأنه حق. ولا يجوز أن يكون الإقناع غاية النقاش أو الحوار، لأن غايته الرئيسة هي التشارك في إنتاج الحقيقة، من خلال فحص المعطيات، من أحداث ووقائع وظواهر فحصاً دقيقاً والتحقق منها والاتفاق على وصفها، كما هي، أولاً، ثم مناقشة تأويلاتها المختلفة لدى المتحاورين، وفق جملة من المبادئ العقلية أو المعرفية والأخلاقية المتفق عليها، والغايات المتفق عليها والمحددة تحديداً واضحاً. ذلك لأن التأويلات المختلفة أو القراءات المختلفة، تصدر غالباً عن اختلاف مواقع الأفراد والجماعات، واختلاف زاوية نظر كل منهم أو كل منها، إذا استبعدنا سوء النية ولاأخلاقية الغاية، كتشبث من يقول إن الثورة مؤامرة، ويهدف إلى تخوين كل من شارك فيها أو أيدها. ومن المرجح أن صورة النقاش أو الحوار الداخلي في الحزب أو التحالف، هي التي تحدد صورة الحوار الخارجي، سواء مع الحلفاء أو مع الخصوم السياسيين، ولا سيما مع الخصوم السياسيين.
  • تفهم الآخر: ما دام الأفراد مختلفين، ومواقعهم وزوايا نظرهم إلى الأمور مختلفة، فإن العلاقات الحزبية السليمة، وكذلك العلاقات الاجتماعية والسياسية السليمة تقتضي أن يبذل كل فرد ما يستطيعه لكي يتفهم الآخر المختلف، وذلك بأن يضع نفسه في موقعه، ويحاول النظر إلى الأمر المحدد من زاوية نظره. لهذه العملية فائدة مركبة، من أهم وجوهها أنها طريقة إلى تعرف الذات، وتحديد موقعها بوضوح في شبكة العلاقات الاجتماعية والسياسية، إذ لا معرفة للذات إلا بالآخر ومن خلاله. فكرة الشخص عن نفسه لا تكفيه، وكذلك فكرة الحزب عن نفسه. والوجه الثاني لهذه العملية المعقدة هو بناء الثقة، وتأسيس علاقة صداقة مدنية، قد تتحول إلى صداقة شخصية، واختبار إمكانية التعاون لإنجاز عمل مشترك، في وقت محدد، فقد يستمر التعاون أو لا يستمر. والوجه الثالث، الذي لا يقل أهمية، هو تنقية العلاقات السياسية من التعصب والتطرف، والتوصل إلى تسويات يربح فيها الطرفان، وإن بنسب متفاوتة، ويكون الفرق في الربح أو الخسارة، ربحاً صافياً للقضية العامة، أو للمجتمع، وهذا مهم جداً في التحالفات السياسية، التي تقتضي “تنازلات متبادلة” واضحة وصريحة، داخل البرلمان أو خارجه، مع الحفاظ على التنافسية واحترام الذات.
  • احترام القانون: من شيمة أي مؤسسة أن تضع “قانونها” الداخلي، الخاص، الذي لا يجوز أن يتعارض مع مبادئ القانون العام وقيمه، لأن الأحزاب، كالمواطنين والمواطنات، أشخاص قانونية، تعمل في ظل دستور عام ومدونة قانونية عامة، ينبغي احترامهما والتقيد بهما، مع وجوب نقد ما يحتاج إلى نقد، والعمل في سبيل تعديل أو تغيير ما يحتاج إلى تعديل وتغيير بالوسائل الديمقراطية. ومثلما ينبغي أن يحظى الدستور العام بقبول أكثرية المواطنين والمواطنات الصريحة أو الضمنية، لأن الإجماع غير ممكن، وينفي وجود معارضة، وليس هناك عاقل يرفض الدستور كله إلا إذا كان يرفض المبدأ الدستوري، كذلك القانون الداخلي للحزب أو التحالف. فاحترام أي شخص لقانون الحزب يبنى عادة على توقع هذا الشخص أن الآخرين سيحترمون القانون مثله، فإذا خُرق هذا المبدأ يفقد القانون قيمته وقوته الإجرائية، فلا يجوز أن يكون أحد فوق القانون، أو أن تكون له امتيازات. القانون الداخلي للحزب يفترض أن يشبه الدستور، لا المدونة القانونية المفصلة، أي إنه يعين المبادئ الكلية العامة والشاملة، على نحو ما يفعل العقل، ويترك التفصيلات للسلطات المختصة، التي لكل منها مهماتها وإجراءاتها المختلفة. ولكن لا يجوز إلزام أحد بقاعدة لا يوافق عليها، بل يجب أن تتاح له حرية الاعتراض وحق المناقشة.
  • القطيعة المعرفية والأخلاقية مع الاستبداد: في الوضع السوري الراهن، وفي ضوء التجربة الطويلة السابقة، يحسن التفكير في الحزب أو التحالف بدلالة العمل في سبيل نظام برلماني تمثيلي، يسمح بتعدد الأحزاب وتنافسها، بشروط متساوية، ودولة لا تحابي أي حزب، حتى الحزب الذي يفوز في الانتخابات ويحصل على أكثرية برلمانية ويشكل الحكومة، وهذا لا يكون إلا بوجود معارضة ديمقراطية، سلمية، داخل البرلمان وخارجه، تحول دون المحاباة الممكنة دوماً، وتحول، من ثم، دون أن يصبغ أي حزب الدولة والنظام العام بصبغته. فالتزام التعددية الحزبية ومبدأ المنافسة السلمية وضرورة المعارضة خطوات أولية لازمة، وغير كافية بالطبع، لإنجاز قطيعة معرفة وأخلاقية مع الاستبداد والتسلط. والخطوات اللاحقة تتأسس على فكرة الفضاء العام والمواطنة المتساوية وأولوية العدالة، على قاعدة سيادة القانون واستقلال القضاء وإصلاح التربية والتعليم، واستقلال منظمات المجتمع المدني.

من البديهي أن يكون هناك حزب مناهض للسلطة، على طول الخط، ولكن لا يجوز أن يكون هناك حزب مناهض للدولة، ويعمل في سبيل السيطرة على الفضاء العام، واحتكار مصادر السلطة والثروة والقوة، أو يكون دولة داخل الدولة، كحزب الله في لبنان، هذا يطرح إشكالة الجماعات السياسية الإسلامية، السنية والشيعية، التي يجب أن تناقش بالجدية الكافية والوضوح الكافي.

  • وضوح الرأي والموقف: إن واقع القمع والعنف في الأسرة والمدرسة والمؤسسات والفضاء العام، على افتراض أن ثمة فضاء عام، في سوريا، أسهمت كلها في جعل الفرد لا يقول رأيه بصراحة ووضوح، ولا يملك حق اتخاذ الموقف الذي يمليه عليه عقله وضميره. لذلك يجب النظر إلى الحزب السياسي الحديث على أنه الفضاء الذي يتعلم فيه الفرد أو تتعلم حريةَ التفكير وحريةَ الرأي وحريةَ التعبير، والتدرب على الحرية، بدون أن يتوقع أو تتوقع “نتائج وخيمة”. هذا يقتضي مناخاً من الحرية وتعاوناً على نزع صفتي القداسة والعصمة عن الأفكار والأشخاص والرموز، وأن توزع السلطة بين فروع الحزب ومكاتبه توزيعاً عادلاً، يكسر الرهبة التي تبعثها المركزية في النفوس والأذهان، نتيجة الألفة الطويلة مع البنى البطركية الذكورية ومع مظاهر الهيبة العَبوس، المتجهمة باستمرار. إن أحد دلالات كلمة حزب باللغات الأوروبية ينطوي على المرح والسرور، كلمة “Party” تعني حفل، على سبيل المثال، وتعني حزب. فلم لا يكون الحزب حفلاً شيقاً، يحتفى فيه بالحياة، ولم لا تكون السعادة، أي التصالح مع العالم ومع الذات، هي هدفه الأسمى، أليس هذا هدف السياسة، بمعناها المدني الأعمق، لأن السعادة هي الهدف الذي ينشده أي إنسان سوي؟!

كسر حاجز الخوف، الذي ادعينا حصوله، لم ينجز بعد، على النحو الذي يمكِّن الفرد من التعبير عن رأيه من دون أن يُتَّهم، ذلك لأن الاستقطاب الحاد في المجتمع، وفي الحقل السياسي خاصة، أعاد للسلطات المادية والمعنوية نفوذها، الذي كادت أن تفقده. فلا نغالي إذ قلنا إننا لا نزال مصابين بداء قول الشيء ونقيضه، وقول الشيء وإضمار نقيضه. لذلك على الحزب أو التحالف وضع حد نهائي للخوف والحرج والمجاملة، بله النفاق والتدليس.

  • الاجتماعات والندوات والمؤتمرات: حضور الاجتماع ليس واجباً، بل هو حق، يتصل بالمشاركة الإيجابية. السكرتاريا في كل منظمة تدعو إلى الاجتماع، وتحدد جدول أعماله، وهذا مما يحفز على حضور الاجتماعات. والاجتماعات التي يتضمن جدول أعمالها انتخاباً، يحق للعضو المضطر أن ينيب عضواً عنه، وإذا لم يفعل يكون هو المسؤول وعليه التزام القرارات المصوت عليها. لأنه في حال عدم اكتمال النصاب، تؤجل الجلسة إلى وقت آخر، يحدده النظام الداخلي، يجري فيه التصويت بمن حضر. فلا تجوز عرقلة عملية صناعة القرار.

أما المؤتمرات فيجب تتولى تحضيرها والإشراف عليها هيئة خاصة، لا قيادة الحزب أو التحالف، تحدد هذه الهيئة نسبة التمثيل، وتحضِّر الوثائق اللازمة، إضافة إلى تقرير قيادة الحزب وتقارير المكاتب المتخصصة، وتشرف على انتخاب المندوبين، وأعمال المؤتمر، حتى انتخاب هيئة جديدة، تتابع كيفية تنفيذ قرارات المؤتمر. وأما الندوات، فيجب أن تستجيب لحاجات معرفية وعملية، تقترحها فروع الحزب ومكاتبه المتخصصة، ويكون من أهدافها تبادل الأفكار والخبرات.

  • التصويت: لا يكون تصويت إلا بعد نقاش كاف، ومن ثم فإن كل عضو يصوت وفق ما اقتنع به بحرية تامة، حتى إذا لم يتسق رأيه مع رأي الجهة التي يمثلها. ومن المؤكد أنه يتحمل مسؤولية موقفه أمام الجهة المعنية. وهذا يتصل بكون الحقيقة هي ما ينتجه النقاش، لا ما تقرره هذه الجهة أو تلك سلفاً.

فالمغزى الاجتماعي – السياسي والأخلاقي الأعمق للحزب السياسي يكمن في كونه الجسر الذي يعبر عليه الأفراد من دائرة الحياة الشخصية والفضاء الخاص لكل منهم إلى دائرة الحياة العامة والفضاء العام، أي من فضاء الأسرة أو العائلة والجيرة والصداقة، وغيرهما من الفضاءات الخاصة، لا سيما العشيرة والطائفة الدينية، إلى المجتمع والدولة، أي إلى ما يسميه كارل ماركس: “الحياة النوعية”، أو “الحياة الأخلاقية”، التي تجعل من الفرد الطبيعي (الرجل والمرأة) كائناً اجتماعياً وكائناً سياسياً، وكائناً أخلاقياً، بالتلازم الضروري بين هذه المستويات. نستعمل مفهوم “الحزب السياسي”، للدلالة على الحزب الذي يتوفر على رؤية وإستراتيجية وبرنامج، كلها قابلة للمراجعة والنقد والتعديل، في مقابل “الحزب الأيديولوجي” أو “الحزب العقائدي”، الذي يتبنى عقيدة “خلاصية”، ذات طابع لاهوتي، لا تقبل النقد والمراجعة والتعديل ويراد فرضها على المجتمع بالعسف والإكراه، على نحو ما كانته العقيدة النازية أو الستالينية، أو على نحو ما هي العقائد الإسلامية والقومية والشيوعية عندنا، وفي غير مكان من العالم.

 

تشترك الأحزاب السياسية، في هذه الحيثية، أو في هذا المغزى مع النقابات ومنظمات المجتمع المدني، كالنوادي والجمعيات وغيرها. ولكن الأحزاب السياسية تمتاز من النقابات وتنظيمات المجتمع المدني الأخرى، بعدة خصائص، من أهمها: 1 – الأحزاب ليست ذات طابع مهني، كالنقابات. 2 –  وليست ذات طابع محلي، كالنوادي وبعض أنواع الجمعيات. 3 – بخلاف النقابات والجمعيات والنوادي وما في حكمها، تسعى الأحزاب السياسية إلى السلطة، مطالبة بها أو حفاظاً عليها أو مشاركة فيها. ومن هنا ترتبط السياسة بالسلطة؛ إذ تتحدد بنية السلطة ووظائفها بمعنى السياسة، ما يوجب تعريف السياسة بأنها إدارة الشؤون العامة تشاركياً، وحل المشكلات والتعارضات الاجتماعية بالطرق السلمية، وتنظيم العلاقات الاجتماعية والسياسية، وفقاً لمنطومة من المبادئ العملية والقيم الاخلاقية، يقبلها جميع المشاركين والمشاركات في الحياة العامة، ويحترمونها، وفي مقدَّم هذه المبادئ سيادة القانون وعدالة القضاء. لذلك يجب أن يكون الحزب فضاء للتدرب على المواطنة المتساوية وممارستها، والتدرب على الوقوف بحزم في وجه السلطة حين تتجاوز على الحريات والحقوق. لا سيما أنه، كمنظمات المجتمع المدني الأخرى، الوسيط المأمون والموثوق به بين الفرد والدولة.

لأن علاقة الفرد بالدولة ومؤسساتها المختلفة لا يجوز أن تكون علاقة مباشرة، تنتج منها جميع أشكال الاستبداد والسلطات الشخصية. علاقة الفرد بالدولة ليست ولا يجوز أن تكون علاقة شخصية، من نوع علاقاته بالأسرة أو بنظرائه ونظيراتها في المجتمع المدني. ولأن الحزب يحتل هذه المكانة، مكانة التوسط بين الفرد والمجتمع، وسيور النقل بين المجتمع المدني والدولة وبالعكس، فإن العلاقات المتبادلة بين أفراده، علاقات ينظمها القانون، من حيث المبدأ والأساس، وهي علاقات صداقة مدنية، إذا جاز التعبير، وليست علاقات شخصية، مع عدم استبعاد نشوء علاقات شخصية، تنعكس بصورة إيجابية على العلاقات الحزبية.

 

 

2 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *